مصرع الذئب .....قصة قصيرة:


                                                        للدكتور نجيب الكيلاني

 

        من منّا لم يكن يعرف (سعد بخيت)؟! أطفال قريتنا والقرى المجاورة كانوا يرتعدون لمجرد ذكر اسمه، والنسوة يرين فيه مثالا للقسوة والجسارة، ويخفن على أزواجهن منه، والرجال يرددون اسمه في كثير من الرهبة الكل اجتمعوا على الخوف منه، والكراهية الشديدة له، والغريب أنه إذا سار في قرية من قرى المنطقة، أحيط بهالة كبيرة من التقديس والتوقير.

        كان الناس يتسابقون إلى مصافحته والترحيب به، وبعضهم يقسم أيمانا مغلّظة أن يتناول القهوة في بيوتهم، والسعيد الحظ من يتعطف عليه "سعد بخيت" ويزوره في بيته، وإذا حدث ذلك فإن صاحب البيت يرفع رأسه في كبرياء، ويفخر بأن "سعد" قد جلس معه... إنها صورة غريبة تجمع المتناقضات، كراهية وترحيبا، خوفا وإكبارا، وكان "سعد" بدوره صورة أخرى للتناقض بين مظهره ومخبره؛ فهو فاحم الوجه؛ لكنه يبتسم دائما؛ يبتسم في طيبة تبدو كأنها حقيقية، كلماته رقيقة معسولة، فارع العود، قوي البنيان لكنه يبش للأطفال الخائفين منه، ويربت على ظهورهم في حنان وقد يجود عليهم بالملاليم، فكيف يتفق هذا كله مع ما كان يمارسه من سفك للدماء البريئة، كان يجيد إصابة الهدف، لم يقع في قبضة الشرطة متلبسا يوما ما برغم كثيرة ضحاياه، وكان يقتل ويأخذ الثمن في أغلب الأحيان ونادرا ما كان يقتل خصومه الخصوصيين، لأنه لا يعقل أن يعاديه أحد عداء صريحا، لكنه كان يعتبر ظهور أية قوة جديدة عداء صريحا لسلطانه وبطشه؛ فما إن يظهر رجل من رجال القرى المجاورة بمظهر القوة ويدعم مركزه بالسطو أو التهديد أو العدوان حتى يبادر "سعد بخيت" بسحقه، إنه يأبى إلا أن يظل القوة المسيطرة الوحيدة.. وفي الحقيقة إن "سعد بخيت" لم يكن يرتكب كل تلك الجرائم التي تنسب إليه، هناك جرائم تافهة لا يصح أن يرتكبها بل يترك أمرها لبعض خاصته المقربين كل حسب منزلته لديه، وكان المجال الأكبر الذي يصول فيه "سعد" ويجول هو الخلاف بين الأسر الكبيرة التي تتنافس مثلا على منصب "العمدية" أو على عضوية "مجلس النواب" أو التنافس على شراء أرض ليزيد بها الأثرياء رقعة "العِزب" التي يملكونها، إن الصيد في مثل هذه الحالات صيد ثمين، والثمن يكون كبيرا، وقد ينحاز "سعد" لأسرة ثم ينحاز مرة ثانية لخصومها، لأنه لا يعرف الوفاء ولا الصداقة... فهو أحيانا يتصرف حسب هواه.. أو حسب الثمن المقدم إليه.

        وفكّر عامة الشعب في قريتنا تفكيرا طويلا في أمر "سعد" لم تستطيع قوة أن تقهره حتى الآن، إذا ما وقع في يد الشرطة -وقلّما يحدث ذلك- لم يجدوا ما يدينه وإذا ضيقوا عليه الخناق تطوع أصحاب النفوذ لإنقاذه، وهكذا عاش "سعد" سلطانا وظل الناس يرزحون تحت أعباء الخوف، ويتحدثون في مجالسهم الخاصة عن هذا الوباء الذي ابتلاهم الله به ويحلمون باليوم الذي يصحون فيه على خبر وفاته، لكن الأيام تمرّ وتنقضي تسع سنوات، و"سعد" باق على عرشه الملوّث بالدم، يذيق الناس الهوان والخوف، وذهب بعضهم إلى "الشيخ عارف" وهو رجل من أولياء الله الصالحين، قال أحدهم:

- يا مولانا لقد طفح الكيل... لماذا لا تقرأ عليه سورة ياسين؟

ويتمتم الشيخ:

- يا ضعيفي الإيمان... أنتم تخافون "سعد" أكثر من خوفكم لله

ويقول آخر:

- إنه لا يعرف الرحمة.. ضربته والقبر.

ويرد الشيخ:

- لكن فرعون لم يغرق في بحر كما تتصورون... لقد غرق في ظلمه.. كان صغيرا تافها.. لكنه تحدى إله موسى... ألا تفهمون؟

ويصمتون، والشيخ يتمتم وأنامله تحرك حبات مسبحته، ثم يهتف في حنق:

- أنتم صانعو هذا العذاب

فيرد أحدهم:

- لم يكن لنا في الأمر حيلة

- كذبتم.. من الذي يدفع له؟ من الذي يوجهه إلى الضحايا أو من يتوسط له إذا ما ضاق حول عنقه الخناق؟ تبتسمون في وجهه، وتبيعون له اللحم والمشرب والملبس.. أتذكرون القصة الخالدة (جمل السلطان)؟ لا شك أنكم تعرفون، لكن سعد أنساكم كل حكمة، لسوف أرويها لكم مرة أخرى... كان للسلطان جمل عزيز، لكنه كان يتلف محصولات الناس، وهو يرتع في حقلهم... وقرروا أن يرفعوا  للسلطان مظلمتهم... تعرفون قسوة السلطان، وارتجف ممثلهم، وهو بين يدي السلطان ليقدم المظلمة، صرخ السلطان: ماذا تريد؟ فشحب وجهه وتلعثم ثم قال: جئنا نناشدك أن تبحث للجمل عن عروس تناسبه! انظروا!

وأخذ الشيخ يجفف عرقه ويقول:

- لكني أؤكد لكم أن "سعدا" سيلقى مصرعه

- متى؟

- عندما تصرعون الخوف الذي يملأ قلوبكم!

        وخرجوا من عند الشيخ دون أن يصلوا إلى حل حاسم.. الشيخ يتكلم بلغة لا يستطيعون فهمها، ويلقي عليهم التبعة وكأنهم هم القتلة وليس "سعدا".. هم يريدون كلاما واضحا محددا ونتيجة نهائية لهذا العذاب كي ينتهي عهد الخوف والأتاوات والقتل. ومع ذلك فقد بقى "سعد" محوطا بالرهبة والوقار أينما سار وبقيت صلته بحضرة العمدة بالذات على أحسن ما يرام وكان العمدة سعيدا بهذه العلاقة الودية، لأنها -على الأقل- ستكف شره عنه وتجعله في وضع أقوى من منافسيه، وتدعم مركزه في القرية؛ لكن "سعد" يأتي إلى العمدة ذات مساء ويهمس باسما:

- إن لي عندك مطلبا عزيزا يا عمدة

- ومنذ متى رفضت لك طلبا؟ ورجالي تحت أمرك

- إنه شيء غير هذا كله

- لا شك أنه أمر يتعلق بالشرطة

- لا... لا... أنت تعرف أني لا أكترث لأحد

لم يستطع "العمدة" أن يخفي قلقه، وبدت الحيرة في عينه وساد الشحوب جبينه الأسمر، وتمتم:

- يا سعد... اطلب تجد

وقال سعد" في نبرات هادئة:

- أريد ابنتك

وارتعشت شفة العمدة، وكادت الدموع تنبثق من عينيه وصرخ:

- ماذا؟

- أتستكثر علي هذا الشرف؟

- لكن

- تكلم يا عمدة، أترفض أم تقبل؟ طريقتي أن أختصر الطريق، المواقف المائعة تثيرني... ألست ندا لك؟ إنني أملك المال والرجال.

- أنت تعرف يا "سعد"، إن...

- أهو الرفض إذا؟ لا أستطيع أن أرغمك على أمر كهذا.. لكن لا تنسى أن كرسي "العمدية" الذي تجلس عليه قد صنعته لك تضحياتي... بقوتي... أنت تعرف، الحياة أخذ وعطاء... وقد أعطيتك الكثير يا "عمدة"، وأريد اليوم أن أتزوج "إنصاف".

        كادت الكلمات تحتبس في حلق العمدة ودارت به الأرض. مستحيل أن يتصور أن تصبح "ابنته" في يوم من الأيام بين ذراعي هذا الذئب المتوحش الذي يبلغ الخامسة والأربعين، مستحيل أن تكون "إنصاف" الرقيقة المهذبة زوجة له. إن "العمدة" لو وافق على ذلك لكان مثله كمثل الجلاد.. الجلاد الذي يقدّم وحيدته لحبل المشنقة.. أي اشمئزاز وتقزز عمرت بهما نفس "العمدة" وهو يقيس "سعد" بنظراته الحائرة الخائفة.. لم يكن "العمدة" ينظر إليه إلا نظرته لأداة يسخرها في تحقيق أطماعه، ولا يمكن أن تربطه بهذا الوحش رابطة إنسانية نبيلة.. عديد من المشاعر والانفعالات كانت تصطرع في قلب "العمدة"، وأدرك في هذه اللحظات -أكثر من أي وقت مضى- أن "سعدا" كارثة كبرى وبلاء بشع، وصورة مجسمة للانتقام الإلهي، وتمنى العمدة في هذه اللحظات أن يفقد منصبه وماله وسطوته مقابل أن يتخلى "سعد" عن أمنيته الشاذة، ولكن الرفض معناه القتل... معناه الضياع له ولأسرته، ولكل ما يستمتع به في الحياة.. فماذا يفعل؟ وجاءه صوت سعد:

- أنا رجل أعرف كيف أسعد النساء.. لا تنظر إلى سواد وجهي.. فقلبي أبيض كاللبن الحليب... وقد أكون شائك الملمس كالتين الشوكي لكني لذيذ الطعم من الداخل، وأخذ يقهقه قهقهة مزعجة، فقال العمدة:

- لكن إنصاف مخطوبة... أنت تعرف

- الخطبة رباط واه يا عمدة... لم يعقد قرانها بعد

- لكني أعطيت كلمتي كرجل شريف

- إذن فأنت ترفض يا عمدة

- أقصد أن الوضع حرج يا سعد

- سأعطيك فرصة للتفكير، سأعود بعد أسبوع

        ارتجت القرية عند سماعها لهذا النبأ أكثر من ارتجاجها لجرائمه العديدة، وبدت "إنصاف" في نظرهم واحدة من أتعس ضحاياه، ولزم العمدة بيته لا يغادره، وترقّب الناس نتائج هذا الأمر الشائك الخطير، والعمدة -كما يقولون- رجل من الأشراف، وأخذ الشيخ عارف يضحك، ويقول:

- ليس هناك فرق كبير بين عروس جمل السلطان وعروس الذئب سعد

ولأول مرة يتألم الناس، وهم يستعرضون مأساة العمدة، ولعل ألمهم كان أكثر حينما يفكرون في "إنصاف" الفتاة الخجولة الجميلة، صاحبة القلب الطيب، والتي قلّما تقع عليها عين، وكان الجميع يعرفون أنها على جانب كبير من الخلق، وأنها تختلف كثيرا عن أبيها، لكنهم أصيبوا بالذهول عندما راجت شائعة تقول إن "إنصاف" قد قبلت الزواج من "سعد بخيت"، وأخذوا يتساءلون عن سر هذا التصرف الغريب، وزعم البعض أن الفتاة العاقلة قد ضحّت بنفسها من أجل أبيها وحقنا للدماء، وقال آخرون: وماذا ينقص سعد حتى يكون واحدا من أصهار أسرة العمدة، إنه قوي مقتدر، لا يشقى بالفقر.. ولزم العمدة الصمت، ولم يحاول أن يتكلم، لقد هدته المأساة، ولم يعد يسير إلا منكس الرأس، لكن عينيه كانتا تشيان بالكثير من العذاب والذلة، ورأى الناس فيما حدث عقوبة إلهية حاقت بالرجل الذي طالما أنزل بهم المظالم، لكن هذا كله لم يمنع من تألمهم وحزنهم العميق من أجل (الحمامة) التي تقدم نفسها طائعة مختارة بين فكي الوحش.

يا لها من لحظات قاسية!

"إنصاف" تخطر في ثوب الزفاف الأبيض محتقنة العينين، والناس لا يرونه ثوبا للزفاف؛ بل كفنا يرافقها إلى مقرها الأخير، وأبوها يمضى مهزوما فاغر الفم، ترشقه نظرات المواسين والحانقين والشامتين، وأمها تشهق باكية.. لكن "سعد بخيت" يقف منتصب القامة في ردائه الصوفي القاتم، وأسنانه الناصعة تسطع بين ظلام وجهه كقنديل محاصر، وابتسامة السعادة ترقص على محياه.. والدنيا لا تكاد تسعه من الفرحة.

وانفض السامر.

وعادت القلوب الكسيرة تطوى أساها باكية.

القلوب كلها تدمى من أجل "إنصاف" المحبوبة.. و"العمدة" خارت قواه فارتمى في بيته يشهق كأنثى عاجزة.. ويشرق الصباح، ويرى الناس منظرا غريبا أمام بيت سعد.. إن عروسه تخرج إلى الشارع تزغرد.

ويتجمع الناس ويتساءلون:

- ماذا جرى؟! لا شك أن "إنصاف" قد أصابها مس من الجنون.

لكن "إنصاف" تشير إلى الداخل، فيقف الناس متسمرين، كيف يجسرون على دخول بيت الذئب؟ لكنهم -تحت إلحالحها- يدخلون ويجدون سعدا غارقا في دمائه وقد لفظ أنفاسه الأخيرة، وتعم الأفراح القرية.. وتؤخذ "إنصاف" إلى المركز للتحقيق في موكب رائع مقدس.. ويتمتم الشيخ عارف:

- مات "سعد" عندما استطاعت امرأة أن تصرع الخوف في قلبها... أرأيتم؟! امرأة شعرت بالمأساة الكبرى من خلال مأساتها الخاصة... فعبرت عن إرادة التعساء.

 

عداد الزوار

Visitor Counter

احصل على موقع الكتروني مميز تواصل معنا على 0777055700