الشبخ أحمد الدباغ

 

د. خالد الخلفات

  الشيخ أحمد بن مسعود الدباغ الحسني، الذي يعود بنسبه للحسن السبط بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، يلقب بالشيخ السيد احتراماً له ،ولد في المدينة المنورة عام 1301هـ/1882م ، وهو الابن الثالث لوالده، فقيه ومدرس في عهد الإمارة ، حيث كان نصيبه أن يكون مدرسا في محافظة الكرك وتحديدا في قرية خنزيرة الطيبة حاليا ،ولكنه لم يكن مدرسا فقط بل مفتيا وفقيها يشرح أمور الدين لأهل هذه القرية ، ولكنه لم يستمر هناك في هذه القرية لاختلافه معهم على مسألة فقهية أفتى فيها فتوى لم ترق لبعضهم ، فغادرها إلى الطفيلة .

تنقل جده في مناطق عديدة في شمال إفريقية ثم استقر في مدينة فاس المغربية ، فاتصل بالعديد من العلماء فتأثر الجد بالمذهب المالكي ،الذي كان سائدا في المغرب والتزم به.وهذا أدى إلى أن يعيش والد الشيخ الدباغ وسط هؤلاء العلماء على هذا المذهب ، وسط حياة علمية حافلة بالعلماء من المغرب والجزائر وليبيا والنيجر والسنغال وغيرها من البلاد في شمال إفريقيا .كل ذلك كانت عناصر مهمة في بناء شخصية هذا الشيخ فيما بعد .

كانت نشأة الشيخ أحمد الدباغ في المدينة المنورة مسقط رأسه، بعدما عاد إليها والده مسعود من فاس، ، وقد تولاه بالرعاية بعد وفاة والده زوج أمه، تلقى دروسه العلمية  على يد عدد من شيوخ المدنية،منهم عمر حمدان ،وعلوي مالكي ،وخضر الشنقيطي والد محمد الخضر الشنقيطي وزير المعارف في الأردن في الستينات من القرن الماضي  ثم التحق  بدار المعلمين في المدينة المنورة،وتخرج فيها عام 1323هـ،وكان عمره اثنتان وعشرون سنة . بعدها تعلم أصول العطارة، حيث عمل عطاراً لفترة من الزمن، وقد ساعدته هذه المهنة في تدبير شؤونه المالية في العيش، ولم ينقطع عن العلم والعلماء، فكان يلتقي  بالعلماء في مكة والمدينة والطائف، ويؤم مجالسهم، ويتحاور معهم في القضايا الدينية والدنيوية، وقد انتشر خبر علمه ورجاحة عقله، واشتهر اسمه في الحجاز، فعينه قاضي قضاة مكة المكرمة قاضياً شرعياً في بلدة العقبة ومحيطها، من خلال مرسوم رسمي، حيث كانت العقبة تتبع إمارة الحجاز، وقد تزامن تكليفه هذا مع اندلاع معارك الحرب العالمية الأولى، وتميز عمله في القضاء الشرعي في العقبة بالمسؤولية العالية، موظفاً علمه ومعرفته وخبراته الكبيرة، حيث كان بالإضافة لكل ذلك كيّساً فطناً.
عندما تم إنشاء إمارة شرق الأردن، بُعيد سقوط الحكومة العربية في دمشق، والتي قامت بعد نجاح الثورة العربية الكبرى، عمد الشيخ الدباغ إلى الإنتقال إلى عاصمة الدولة الفتية عمّان، واتصل بالأمير عبد الله بن الحسين، الذي كان يعرفه تمام المعرفة، وقد عرض عليه الأمير العمل في القضاء الشرعي، بعد ما حققه من سمعة طيبة في العقبة، لكن الشيخ اعتذر عن عدم قبول العرض، لإدراكه أن القضاء الشرعي عمل فيه من المسؤولية الشيء الكثير، وهو دائماً يخشى الخطأ والوقوع في الزلل، مفضلا العمل في التعليم، وأن يسهم في تعليم الأجيال القادمة، فاستجاب لطلبه أمير البلاد، وعينه معلماً في قرية الطيبة في الكرك، لكنه لم يطل الإقامة فيها، بعد قامت بينه وبين أحد سكانها خصومة، فتظلم للأمير الذي نقله إلى مدينة الطفيلة بناءً على طلبه، وفيها أصبح معلماً في مدرسة الطفيلة للبنين، وكان يدرس فيها مادتي اللغة العربية والتربية الإسلامية، وقد تخرج على يديه عدد من كبار رجالات الطفيلة، الذين لعبوا دوراً وطنياً بارزاً.
تميز الشيخ أحمد الدباغ خلال عمله في التدريس، بأسلوب يعتمد التشويق والإثارة، فهو لا يؤمن بالعقاب القاسي، لكنه عرف بصرامته في الصوت والملامح، مخفياً رقة القلب التي اتصف بها، فقد كان محبوباً من طلبته، ومهاباً ومقدراً من الجميع، حيث واصل عمله مدرساً في مدرسة الطفيلة، حتى أحيل على التقاعد في عام 1945، بعد خدمة طويلة تميزت بالجدية والإخلاص والاجتهاد، لقد تحول مع الأيام إلى مكوّن أساسي في الحياة التربوية والدينية في مدينة الطفيلة، وكان يقصده الطلبة والأهالي في أي وقت من الأوقات، حيث حظي بمكانة اجتماعية كبيرة بين الأهالي.

ولم تكن رحلاته داخل الطفيلة فقط بل تجاوزتها إلى الكرك ومعان فكان يتنقل بين هذه الأماكن فكان له تلامذة في معان منهم الشيخ المرحوم عبد الله العزب الذي كان مفتيا سابقا للقوات المسلحة .والمرحوم فهمي مرعي كريشان وعبد اللله عبد الدايم ووحيد صلاح وعصري الدقامسه وغيرهم .

تجاوزت رحلاته الاردن ليذهب إلى الشام والعراق ومصر عدة مرات والتقى خلالها بعلماء هذه البلدان .


لم يركن الشيخ أحمد مسعود الدباغ للراحة والدعة، فقد كان محباً للعمل، راغباً في مساعدة الناس، في التربية والتوعية، وتبصير الناس بأمور دينهم، ونظراً لما حصله من علوم وخبرات، وما تميز به من ذكاء وفطنه وتوخي العدل، فقد وجه شيوخ ووجهاء ومخاتير الطفيلة رسالة إلى جلالة الملك عبد الله الأول ابن الحسين عام 1946، يطلبون فيه تعيين الشيخ الدباغ قاضياً للقضاة، كون الطفيلة تحتاج إلى من ينهض بهذه المسؤولية، أسوة بباقي مدن المملكة، فاستجاب جلالة الملك لمطلبهم، وهو الذي يعرف تماماً قدرات الشيخ في مجال القضاء الشرعي، فعينه قاضياً للقضاة في الطفيلة، وقد أظهر عمله الجديد في القضاء، نجاعة ما ذهبوا إليه، فاكتسب مزيداً من الاحترام والتقدير، حيث قوبل أحكامه الشرعية بالثقة والارتياح.
سعى الشيخ الدباغ للمساهمة في مساعدة المجتمع الريفي، الذي يعاني من تفشي الأمية وهيمنة الأعراف المتداولة، ليتحول ولو بطيئاً إلى مجتمع مدني، من خلال عمله على تأسيس « نادي الفضائل « بمساعدة من أبناء الطفيلة المتنورين، حيث لعب هذا النادي دوراً مؤثراً، في التوعية والتثقيف من خلال أنشطته المختلفة، وقد اختير الدباغ رئيساً للنادي بالتزكية، وخلال رئاسته للنادي عمل على استقطاب عدد من أصحاب الفكر من أبناء المدينة، وكان ينظم الجلسات الحوارية، في مختلف المجالات: الدينية والثقافية والفكرية، وكل ما يهم الناس خاصة الشباب.

وكان من تلامذته في الطفيلة مسلم الزغاليل وعبد المهدي العدينات ومحمود الزرقان ،وحسن القواسمه .

ومن الأنشطة الفريدة التي كان يقوم بها، زيارته الأسبوعية للسجناء، يلتقي بهم يعظهم ويرشدهم إلى سبل الصلاح، وكيفية عودتهم إلى الطريق السليم.
كان بيته في الطفيلة القريب من مسجده، بمثابة صالون يلتقي فيه الأهالي، من أجل فهم كثير من المشاكل والقضايا التي تواجههم، وكان يفسر ويشرح، ويقدم الحلول والمشورة، ولم يكتف بذلك، بل كان يقوم برحلات كل فترة إلى الفلاحين في القرى البعيدة، مشياً على الأقدام أو على دابة برفقة أحد الأصدقاء، ليقوم بدوره الذي اختطه لنفسه، فيرشدهم ويعظهم ويجيب على أسئلتهم، ولم يكن يبخل عليهم بشيء من المعرفة، وعرف عنه عمله على تغيير أسماء رجال غير متفائلة، ويستبدلها بأسماء ذات فأل طيب، وعندما يتأخر المطر، كان يتقدم الجموع بوجود الأطفال والماشية، في صلاة الاستسقاء، وغالباً يستجاب لصلاتهم ودعواتهم. ويبدو أنه احتفظ بطريقته الصوفية، التي ورثها عن والده القادم من المغرب، وكان له مريدوه من مناطق الأردن كافة.
كان للشيخ أحمد الدباغ علاقة حسنة بسمو الأمير الحسن بن طلال، وقد ترك مكتبة خاصة تضم كتباً قيمة،ونادرة جمعها خلال رحلاته المتعددة  وقد تبرعت بها أسرته لمكتبة الجامعة الأردنية، وقد قرر تأليف كتاب موسع عن الأحاديث النبوية الشريفة، لكن تعدد المهام والأنشطة التي يقوم بها، حالت دون تمكنه من تنفيذ مشروعه.

 وتزوج الدباغ ثلاث نساء، الأولى توفيت قبل وصوله الطفيلة، أما الثانية فقد كانت من جزيرة جاوا، وقد توفيت في الطفيلة ودفنت فيها، أما الثالثة فمن الطفيلة وقد أنجبت له خمسة أولاد وثلاث بنات. عرف عنه حبه العميق للطفيلة، التي يعدها أرضاً مقدسة محاطة بمقامات عدد من الصحابة الأجلاء، وعندما أحس بدنو أجله ارتحل عند ابنته الكبرى في الرياض، حيث توفي هناك عام 1974م/1394هـ، ودفن في الرياض عن عمر ثلاثة وتسعين عاماً، وتخليداً لذكراه الطيب فقد أطلقت وزارة التربية والتعليم اسمه على مدرسة في الطفيلة وهي « مدرسة الشيخ أحمد الدباغ الأساسية للبنين « يطلُّ عليها مسجده وبيته ، هذا المسجد يقع في حي البحرات في وسط مدينة الطفيلة ويتكون من قسمين قسم للرجال وقسم للنساء. وكان المسجد مبنيا من الطين والحجر ،وكان لي شرف اللقاء بالشيخ الدباغ في السنوات الثلاثة الأخيرة والصلاة في مسجده ،وكان مقعدا عاجزا عن الوقوف يصلي جالسا  وكنت ورفاقي في الصف الثالث والرابع والخامس نتبادل الأدوار في صب الماء عليه حينما كان يتوضأ.وبعد صلاة العشاء في كل يوم كان يقدم الشاي للمصلين في المسجد .

كان الشيخ الدباغ حنطي اللون طويل القامة عسلي العينين شجاعا لا يخشى في الله لومة لائم ،صادقا أمينا .كان يقيم لكل طالب يحفظ القران ويختمه حفلة تقرأ فيها سيرة المولد النبوي الشريف وبعض الأوارد والأناشيد الدينية ليعرف الناس من حوله أن طالبا قد ختم القران الكريم .

لم يكن وحده من يدرس الناس أمور دينهم بل كانت والدته وأخته يقمن بتدريس النساء في الطفيلة تعاليم الدين من خلال فتحهن مدرسة للطالبات .

المصادر:

سليمان القوابعة، في كتابه « الطفيلة: تاريخها وجغرافيتها/ الجزء الثاني

هزاع البراري الرأي/ الشيخ أحمد الدباغ: الشيخ الجليل والتربوي الفقيه

الاثنين 19/12/2011م

مصطفى الخشمان : الشيخ أحمد الدباغ /مجلة راية مؤتة المجلد 1 العدد1 أيار 1992م ص 104ـ108

بلدة المقير

(بقايا بيوت  على قمة جبل المقير )

قاضي القضاة في مصر في العصر المملوكي من الطفيلة

د.خالد الخلفات

    كان الأردن وسيبقى أرض العلماء والمبدعين ، من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب ، وعلى مر العصور كان يخرّج العلماء في كل المجالات، فهو أرض الحشد والرباط حتى يوم القيامة . وفي العصر الأيوبي كان لصلاح الدين الأيوبي دورا كبيرا في استقطاب العلماء والفقهاء والمحدثين ليجعل من الأردن مقصدا للعلماء هؤلاء لإيمانه بدورهم في التعبئة العامة في مواجهة الصليبيين المحتلين للقدس فكانت معركته الفاصلة التي حرر فيها القدس من هؤلاء وأتت هذه السياسة أكلها في العصور التالية وخاصة في العصر المملوكي حين كانت الكرك إمارة تزود القاهرة عاصمة الدولة بالجيوش والعلماء .

  من هؤلاء  القاضي عماد الدين أبوعيسى أحمد بن عيسى بن موسى بن سليم بن جميل المقيري الكركي العامري الأزرقي الشافعي والمُقَيْريّ بضم الميم وفتح القاف وسكون الياء ، مصغرا.ولد في شعبان سنة إحدى وأربعين وسبعمئة هجرية أو سنة 742ه في بلدة المُقير في محافظة الطفيلة ، حيث تبعد عن مدينة الطفيلة حوالي 15 كم  وكانت منطقة الطفيلة وبلداتها حتى منطقة الشوبك  تابعة لإمارة الكرك .يقول الزبيدي في تاج العروس عن مادة (مقر):(مقر عنقه يمقرها مقرا : ضربهابالعصا ودقها حتى تكسر العظم والجلد صحيح . ومقر السمكة المالحة مقرا: نقعها في الخل وكل ما أنقع فقد مقر . وقال أبو عمرو : المقر : شجر مر . وفي حديث لقمان : أكلت المقر وأكلت على ذلك الصبر . المقر : الصبر .. والامتقار: أن تحفر الركية إذا نزح ماؤها وفني . قال الليث : الممقر من الركايا: القليلة الماء . ومما يستدرك عليه : المقر ككتف : نبات ينبتورقا في غير أفنان . قاله أبو حنيفة . وأمقرت لفلان شرابا إذا أمررته له. عن ابن دريد . ومقر الشيء كفرح يمقر مقرا أي صار مرا . ومقر بالفتح : موضع قرب المزار كان به وقعة للمسلمين )وفي هذه البلدة نبع ماء ينزح من الصخر وهو ضعيف الآن حيث تتجمع المياه وتوضع في خزان لسقي المزروعات هناك .

             (صورة لبلدة المقير مسقط رأس القاضي عماد الدين)

وكان القاضي عماد الدين قد حفظالمنهاج وجامع المختصرات وغيرهما واشتغل بالفقه وغيره وسمع الحديث منالبياني وغيره ، رحل في طلب العلم كعادة العلماء ، فحط الرحال في القاهرة سنة 772هـ، وسمع فيها من أبي نعيم ابن الحافظ تقي الدين عبيد الإسعردي ويوسف بن محمد الدلاصي وغيرهما، ثم عاد إلى بلده ، وحدث فيها سنة ثمان وثمانين وسبعمئة  للهجرة . وكان أبوه قاضي الكرك فلما مات استقر مكانه. وكان كبير القدر في بلده محببا إليهم بحيث أنهم كانوا لا يصدرون إلا عن رأيه.

 وعندما تسلم السلطان المملوكي منطاش الحكم في مصر ، وحبس الظاهر برقوق في الكرك  وعددا من أكابر الأمراء ، رغب في التخلص من  الملك الظاهر برقوق فبعث  شخصًا يعرف بالشهاب البريدي ومعه كتاب للأمير حسام الدين الكجكني نائب الكرك يطلب فيه قتل الملك الظاهر برقوق وقد وعده بمنصب أكبر من منصبه الحالي  نيابة الكرك‏.‏والشهاب البريدي أصله من الكرك وكان قد تزوج ببنت قاضي الكرك القاضي عماد الدين ‏.‏ثم وقع بين الشهاب المذكور وبين زوجته خلاف ، فطلقها والدها منه وزوجها بغيره‏.‏وكان الشهاب مغرمًا بها فشق ذلك عليه وخرج من الكرك وقدم مصر وصار بريديًا‏.‏وحينما صار الأمر لمنطاش ، اتصل به الشهاب المذكور ووعده أنه يتوجه لقتل الملك الظاهر برقوق فجهزه منطاش لذلك سرًا وكتب على يده إلى الأمير حسام الدين الكجكني نائب الكرك كتبًا بذلك وحثه على القيام مع الشهاب المذكور بقتل برقوق وأن يضعه في قلعة الكرك ويسكنه بها حتى يتمكن بسهولة من قتل الملك الظاهر برقوق‏.‏

 

وخرج الشهاب من مصر متوجها الكرك على البريد حتى وصل قرية المقير بلد صهره القاضي عماد الدين قاضي الكرك الذي أصله منها فنزل بها الشهاب ولم يكتم ما في نفسه من الحقد على القاضي عماد الدين وقال‏:‏ والله لأخربن دياره وأزيد في أحكار أملاكه وأملاك أقاربه بهذه القرية وغيرها‏.‏ فاستوحش قلوب الناس وأقارب عماد الدين من هذه الكلام وأرسلوا بقصد الشهاب وما جاء بسببه قبل أن يصل الشهاب إلى الكرك ثم ركب الشهاب من المقير وسار إلى الكرك حتى وصلها في الليل وبعث للنائب من يصيح به من تحت السور فمنعوه من ذلك‏.‏

وأحس الكجكني بالأمر فلما أصبح أحضره إلى دار السعادة وقرأ كتاب السلطان الذي على يده وكتاب منطاش ومضمونهما أمور أخر غير قتل الظاهر برقوق فامتثل النائب ذلك بالسمع والطاعة ولما انفض الناس أخرج الشهاب إليه كتاب منطاش الذي  يطلب فيه قتل برقوق فأخذه الكجكني منه ليكون له حجة عند قتله السلطان برقوق ووعده بقضاء الشغل وأنزل الشهاب بمكان قلعة الكرك قريبًا من الموضع الذي فيه الملك الظاهر برقوق بعد أن استأنس به ثم قام الكجكني من فوره ودخل إلى الملك الظاهر برقوق ومعه كتاب  منطاش الذي بقتله فأوقفه على الكتاب فلما سمعه الملك الظاهر كاد أن يهلك من الجزع فحلف له الكجكني بكل يمين أنه لا يسلمه لأحد ولو مات وأنه يطلقه ويقوم معه وما زال به حتى هدأ ما به وطابت نفسه واطمأن خاطره‏.

هذا وقد اشتهر في مدينة الكرك مجيء الشهاب بقتل الملك الظاهر برقوق لخفة كانت في الشهاب المذكور وأخذ القاضي عماد الدين يخوف أهل الكرك عاقبة قتل الملك الظاهر برقوق وينفرهم عن الشهاب حتى خافوه وأبغضوه وكان عماد الدين مطاعًا في أهل بلده مسموع الكلمة عندهم لما كانوا يعهدون من عقله وحسن رأيه‏.‏ وثقل الشهاب على أهل الكرك إلى الغاية وأخذ الشهاب يلح على الأمير حسام الدين نائب الكرك في قتل الملك الظاهر برقوق وبقي النائب يسوف به من وقت إلى وقت ويدافعه عن ذلك بكل حجة وعذر فزاد الشهاب في القول حتى خاشنه في اللفظ فعند ذلك قال له الكجكني‏:‏ هذا شيء لا أفعله بوجه من الوجوه حتى أكتب إلى مصر بما أعرفه وأسأل عن ذلك ممن أثق به من أصحابي من الأمراء‏.‏ ثم أرسل البريد إلى مصر بأنه لا يدخل في هذا الأمر ولكن يحضر إليه من يتسلمه منه ويفعل فيه ما يرسم له به‏.‏ وكان في خدمة الملك الظاهر غلام من أهل الكرك يقال له عبد الرحمن فنزل إلى جماعة في المدينة وأعلمهم أن الشهاب قد حضر لقتل أستاذه الملك الظاهر‏.‏

فلما سمعوا ذلك اجتمعوا في الحال وقصدوا القلعة وهجموها حتى دخلوا إلى الشهاب المذكور وهو بسكنه من قلعة الكرك ووثبوا عليه وقتلوه ثم جروه برجله إلى الباب الذي فيه الملك الظاهر برقوق‏.‏

وكان نائب الكرك الكجكني عند الملك الظاهر وقد ابتدأوا في الإفطار بعد أذان المغرب وهي ليلة الأربعاء عاشر شهر رمضان من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة  فلم يشعر الملك الظاهر والكجكني إلا وجماعة قد هجموا عليهم وهم يدعون للملك الظاهر بالنصر وأخذوا الملك الظاهر بيده حتى أخرجوه من البرج الذي هو فيه وقالوا له‏:‏ دس بقدمك عند رأس عدوك وأروه الشهاب مقتولًا ،ثم نزلوا به إلى المدينة فدهش النائب مما رأى ولم يجد بدًا من القيام في خدمة الملك الظاهر وتجهيزه وانضم على الملك الظاهر أقوام الكرك وأجنادها ،وتسامع به أهل البلاد فأتوه من كل فج بالتقادم والخيول كل واحد بحسب حاله ،وأخذ أمر الملك الظاهر برقوق من يوم ذلك في استظهار فعاد إلى الحكم.

فحفظ الظاهر برقوق  لعماد الدين وأخيه ما قاما به  فاحضرهما إلى القاهرة وكان دخول  القاضي عماد الدين  القاهرة في يوم الخميس ثاني شهر رجب سنة 791هـ بعد أن خرج الأعيان إلى لقائه وطلع إلى القلعة فلما وقع بصر السلطان عليه قام له ومشى لتلقيه خطوات وعانقه وأجلسه بجانبه وحادثه ساعة ثم قام ونزل إلى داره كل ذلك لما كان له على السلطان أيام حبسه بالكرك من الخدم‏.‏ثم في ثالث عشر منه أخلع السلطان على القاضي عماد الدين الكركي  قاضي قضاة الديار المصرية عوضًا عن القاضي بحر الدين محمد بن أبي البقاء فصار عماد الدين هذا قاضي قضاة مصر وأخوه علاء الدين  كاتب سر مصر‏.‏

وولي عماد الدين قضاء الشافعية وعلاء الدين كتابة السر وذلك في شهر رجب سنة اثنتين وتسعين فباشر بحرمة ونزاهة واستكثر من النواب وشدد في رد رسائل الكبار وتصلب في الأحكام فتمالئوا عليه فعزل في آخر سنة أربع وتسعين واستقرصدر الدين المناوي في رابع المحرم سنة 795هـ، وأبقى السلطان مع القاضي عمادالدين من وظائف القضاء تدريس الفقه بالمدرسة الصلاحية المجاورة للشافعي ودرس الحديث بالجامع الطولوني ونظر ووقف الصالح بين القصرين فاستمر في ذلك إلى أن شغرت الخطابة بالمسجد الأقصى وتدريس الصلاحية فقررهما السلطان لعمادالدين وذلك في سنة تسع وتسعين فتوجه إلى القدس وباشرهما وانجمع عن الناس وأقبل على العبادة والتلاوة إلى أن مات في سابع عشر ربيع الأول من سنة799هـ.

 

عداد الزوار

Visitor Counter

احصل على موقع الكتروني مميز تواصل معنا على 0777055700