بلدة المقير

(بقايا بيوت  على قمة جبل المقير )

قاضي القضاة في مصر في العصر المملوكي من الطفيلة

د.خالد الخلفات

    كان الأردن وسيبقى أرض العلماء والمبدعين ، من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب ، وعلى مر العصور كان يخرّج العلماء في كل المجالات، فهو أرض الحشد والرباط حتى يوم القيامة . وفي العصر الأيوبي كان لصلاح الدين الأيوبي دورا كبيرا في استقطاب العلماء والفقهاء والمحدثين ليجعل من الأردن مقصدا للعلماء هؤلاء لإيمانه بدورهم في التعبئة العامة في مواجهة الصليبيين المحتلين للقدس فكانت معركته الفاصلة التي حرر فيها القدس من هؤلاء وأتت هذه السياسة أكلها في العصور التالية وخاصة في العصر المملوكي حين كانت الكرك إمارة تزود القاهرة عاصمة الدولة بالجيوش والعلماء .

  من هؤلاء  القاضي عماد الدين أبوعيسى أحمد بن عيسى بن موسى بن سليم بن جميل المقيري الكركي العامري الأزرقي الشافعي والمُقَيْريّ بضم الميم وفتح القاف وسكون الياء ، مصغرا.ولد في شعبان سنة إحدى وأربعين وسبعمئة هجرية أو سنة 742ه في بلدة المُقير في محافظة الطفيلة ، حيث تبعد عن مدينة الطفيلة حوالي 15 كم  وكانت منطقة الطفيلة وبلداتها حتى منطقة الشوبك  تابعة لإمارة الكرك .يقول الزبيدي في تاج العروس عن مادة (مقر):(مقر عنقه يمقرها مقرا : ضربهابالعصا ودقها حتى تكسر العظم والجلد صحيح . ومقر السمكة المالحة مقرا: نقعها في الخل وكل ما أنقع فقد مقر . وقال أبو عمرو : المقر : شجر مر . وفي حديث لقمان : أكلت المقر وأكلت على ذلك الصبر . المقر : الصبر .. والامتقار: أن تحفر الركية إذا نزح ماؤها وفني . قال الليث : الممقر من الركايا: القليلة الماء . ومما يستدرك عليه : المقر ككتف : نبات ينبتورقا في غير أفنان . قاله أبو حنيفة . وأمقرت لفلان شرابا إذا أمررته له. عن ابن دريد . ومقر الشيء كفرح يمقر مقرا أي صار مرا . ومقر بالفتح : موضع قرب المزار كان به وقعة للمسلمين )وفي هذه البلدة نبع ماء ينزح من الصخر وهو ضعيف الآن حيث تتجمع المياه وتوضع في خزان لسقي المزروعات هناك .

             (صورة لبلدة المقير مسقط رأس القاضي عماد الدين)

وكان القاضي عماد الدين قد حفظالمنهاج وجامع المختصرات وغيرهما واشتغل بالفقه وغيره وسمع الحديث منالبياني وغيره ، رحل في طلب العلم كعادة العلماء ، فحط الرحال في القاهرة سنة 772هـ، وسمع فيها من أبي نعيم ابن الحافظ تقي الدين عبيد الإسعردي ويوسف بن محمد الدلاصي وغيرهما، ثم عاد إلى بلده ، وحدث فيها سنة ثمان وثمانين وسبعمئة  للهجرة . وكان أبوه قاضي الكرك فلما مات استقر مكانه. وكان كبير القدر في بلده محببا إليهم بحيث أنهم كانوا لا يصدرون إلا عن رأيه.

 وعندما تسلم السلطان المملوكي منطاش الحكم في مصر ، وحبس الظاهر برقوق في الكرك  وعددا من أكابر الأمراء ، رغب في التخلص من  الملك الظاهر برقوق فبعث  شخصًا يعرف بالشهاب البريدي ومعه كتاب للأمير حسام الدين الكجكني نائب الكرك يطلب فيه قتل الملك الظاهر برقوق وقد وعده بمنصب أكبر من منصبه الحالي  نيابة الكرك‏.‏والشهاب البريدي أصله من الكرك وكان قد تزوج ببنت قاضي الكرك القاضي عماد الدين ‏.‏ثم وقع بين الشهاب المذكور وبين زوجته خلاف ، فطلقها والدها منه وزوجها بغيره‏.‏وكان الشهاب مغرمًا بها فشق ذلك عليه وخرج من الكرك وقدم مصر وصار بريديًا‏.‏وحينما صار الأمر لمنطاش ، اتصل به الشهاب المذكور ووعده أنه يتوجه لقتل الملك الظاهر برقوق فجهزه منطاش لذلك سرًا وكتب على يده إلى الأمير حسام الدين الكجكني نائب الكرك كتبًا بذلك وحثه على القيام مع الشهاب المذكور بقتل برقوق وأن يضعه في قلعة الكرك ويسكنه بها حتى يتمكن بسهولة من قتل الملك الظاهر برقوق‏.‏

 

وخرج الشهاب من مصر متوجها الكرك على البريد حتى وصل قرية المقير بلد صهره القاضي عماد الدين قاضي الكرك الذي أصله منها فنزل بها الشهاب ولم يكتم ما في نفسه من الحقد على القاضي عماد الدين وقال‏:‏ والله لأخربن دياره وأزيد في أحكار أملاكه وأملاك أقاربه بهذه القرية وغيرها‏.‏ فاستوحش قلوب الناس وأقارب عماد الدين من هذه الكلام وأرسلوا بقصد الشهاب وما جاء بسببه قبل أن يصل الشهاب إلى الكرك ثم ركب الشهاب من المقير وسار إلى الكرك حتى وصلها في الليل وبعث للنائب من يصيح به من تحت السور فمنعوه من ذلك‏.‏

وأحس الكجكني بالأمر فلما أصبح أحضره إلى دار السعادة وقرأ كتاب السلطان الذي على يده وكتاب منطاش ومضمونهما أمور أخر غير قتل الظاهر برقوق فامتثل النائب ذلك بالسمع والطاعة ولما انفض الناس أخرج الشهاب إليه كتاب منطاش الذي  يطلب فيه قتل برقوق فأخذه الكجكني منه ليكون له حجة عند قتله السلطان برقوق ووعده بقضاء الشغل وأنزل الشهاب بمكان قلعة الكرك قريبًا من الموضع الذي فيه الملك الظاهر برقوق بعد أن استأنس به ثم قام الكجكني من فوره ودخل إلى الملك الظاهر برقوق ومعه كتاب  منطاش الذي بقتله فأوقفه على الكتاب فلما سمعه الملك الظاهر كاد أن يهلك من الجزع فحلف له الكجكني بكل يمين أنه لا يسلمه لأحد ولو مات وأنه يطلقه ويقوم معه وما زال به حتى هدأ ما به وطابت نفسه واطمأن خاطره‏.

هذا وقد اشتهر في مدينة الكرك مجيء الشهاب بقتل الملك الظاهر برقوق لخفة كانت في الشهاب المذكور وأخذ القاضي عماد الدين يخوف أهل الكرك عاقبة قتل الملك الظاهر برقوق وينفرهم عن الشهاب حتى خافوه وأبغضوه وكان عماد الدين مطاعًا في أهل بلده مسموع الكلمة عندهم لما كانوا يعهدون من عقله وحسن رأيه‏.‏ وثقل الشهاب على أهل الكرك إلى الغاية وأخذ الشهاب يلح على الأمير حسام الدين نائب الكرك في قتل الملك الظاهر برقوق وبقي النائب يسوف به من وقت إلى وقت ويدافعه عن ذلك بكل حجة وعذر فزاد الشهاب في القول حتى خاشنه في اللفظ فعند ذلك قال له الكجكني‏:‏ هذا شيء لا أفعله بوجه من الوجوه حتى أكتب إلى مصر بما أعرفه وأسأل عن ذلك ممن أثق به من أصحابي من الأمراء‏.‏ ثم أرسل البريد إلى مصر بأنه لا يدخل في هذا الأمر ولكن يحضر إليه من يتسلمه منه ويفعل فيه ما يرسم له به‏.‏ وكان في خدمة الملك الظاهر غلام من أهل الكرك يقال له عبد الرحمن فنزل إلى جماعة في المدينة وأعلمهم أن الشهاب قد حضر لقتل أستاذه الملك الظاهر‏.‏

فلما سمعوا ذلك اجتمعوا في الحال وقصدوا القلعة وهجموها حتى دخلوا إلى الشهاب المذكور وهو بسكنه من قلعة الكرك ووثبوا عليه وقتلوه ثم جروه برجله إلى الباب الذي فيه الملك الظاهر برقوق‏.‏

وكان نائب الكرك الكجكني عند الملك الظاهر وقد ابتدأوا في الإفطار بعد أذان المغرب وهي ليلة الأربعاء عاشر شهر رمضان من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة  فلم يشعر الملك الظاهر والكجكني إلا وجماعة قد هجموا عليهم وهم يدعون للملك الظاهر بالنصر وأخذوا الملك الظاهر بيده حتى أخرجوه من البرج الذي هو فيه وقالوا له‏:‏ دس بقدمك عند رأس عدوك وأروه الشهاب مقتولًا ،ثم نزلوا به إلى المدينة فدهش النائب مما رأى ولم يجد بدًا من القيام في خدمة الملك الظاهر وتجهيزه وانضم على الملك الظاهر أقوام الكرك وأجنادها ،وتسامع به أهل البلاد فأتوه من كل فج بالتقادم والخيول كل واحد بحسب حاله ،وأخذ أمر الملك الظاهر برقوق من يوم ذلك في استظهار فعاد إلى الحكم.

فحفظ الظاهر برقوق  لعماد الدين وأخيه ما قاما به  فاحضرهما إلى القاهرة وكان دخول  القاضي عماد الدين  القاهرة في يوم الخميس ثاني شهر رجب سنة 791هـ بعد أن خرج الأعيان إلى لقائه وطلع إلى القلعة فلما وقع بصر السلطان عليه قام له ومشى لتلقيه خطوات وعانقه وأجلسه بجانبه وحادثه ساعة ثم قام ونزل إلى داره كل ذلك لما كان له على السلطان أيام حبسه بالكرك من الخدم‏.‏ثم في ثالث عشر منه أخلع السلطان على القاضي عماد الدين الكركي  قاضي قضاة الديار المصرية عوضًا عن القاضي بحر الدين محمد بن أبي البقاء فصار عماد الدين هذا قاضي قضاة مصر وأخوه علاء الدين  كاتب سر مصر‏.‏

وولي عماد الدين قضاء الشافعية وعلاء الدين كتابة السر وذلك في شهر رجب سنة اثنتين وتسعين فباشر بحرمة ونزاهة واستكثر من النواب وشدد في رد رسائل الكبار وتصلب في الأحكام فتمالئوا عليه فعزل في آخر سنة أربع وتسعين واستقرصدر الدين المناوي في رابع المحرم سنة 795هـ، وأبقى السلطان مع القاضي عمادالدين من وظائف القضاء تدريس الفقه بالمدرسة الصلاحية المجاورة للشافعي ودرس الحديث بالجامع الطولوني ونظر ووقف الصالح بين القصرين فاستمر في ذلك إلى أن شغرت الخطابة بالمسجد الأقصى وتدريس الصلاحية فقررهما السلطان لعمادالدين وذلك في سنة تسع وتسعين فتوجه إلى القدس وباشرهما وانجمع عن الناس وأقبل على العبادة والتلاوة إلى أن مات في سابع عشر ربيع الأول من سنة799هـ.

 

أضف تعليق

سيتم نشر التعليقات بعد مراجعتها


عداد الزوار

Visitor Counter

احصل على موقع الكتروني مميز تواصل معنا على 0777055700