بُعبع داعش وترتيبات المنطقة الجديدة

أسامة الرنتيسي

لا يزال لغز ما حدث ويحدث في العراق محيرا، مثلما هو لغز داعش ضبابي، وبُعبع اكثر مما هو واقعي.

في الفرشة السياسية لما حدث في العراق يستطيع المراقب والمحلل والمتابع ان يقدم عشرات الاسباب التي أوصلت الامور في العراق الى هذا النحو، كما يستطيع أي احد أن يفتي في لغزي "الاحداث الصادمة" و"فيلم داعش".

صيغة الاجماع التي تم الاتفاق عليها من قبل كل من قرأ او تابع او افتى في احداث العراق، ان المسبب الاول هو سياسة الاقصاء والاجتثاث التي مارسها رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في فترة حكمه الممتدة نحو ثماني سنوات، لم يقدم خلالها موازنة للدولة، وكيّف العراق على حجم حزب الدعوة واتباعه، واقصى كل مكونات الشعب العراقي الاخرى.

وشبه اجماع آخر رافق احداث العراق الصادمة، ان مبالغة كبيرة حدثت عندما تم "تدعيش" كل شيء خرج محتجا في الموصل وغيرها من المدن العراقية التي سَلَّمت من دون اية مقاومة تذكر من جيشها، وعندما تم تهويل قوة "داعش" وان عناصرها على محيط مدينة بغداد بانتظار ساعة الصفر.

وقع الصاعقة على ما حدث في العراق ظهر في خطابات ومواقف جميع الاطراف المعنية في الشأن العراقي، وكانت الولايات المتحدة ابرزها، على الرغم من ان خطاب الرئيس الاميركي باراك اوباما بعد ساعات من سقوط الموصل، كان هادئا ومن دون تهديد، سوى رفع الغطاء عن المالكي وتحميله وزر ما يحدث نتيجة سياساته الاقصائية.

الاطراف الاخرى، التي ايديها ممدودة بقوة في المعدة العراقية، ايران وتركيا والسعودية، التزمت الصمت في البداية، كما لجأت الى المواقف غير الصريحة، على الرغم من ان معظم القراءات والمعلومات المتوفرة على ندرتها، لا تبرئ الدول الثلاث من المساهمة باشكال مختلفة في ما حدث ويحدث حتى الان.

لكن بعيدا عن تفسيرات ما يحدث، وعن بعبع داعش الذي اصبح على لسان الجميع، مثلما سيطر بعبع تنظيم القاعدة على عقول الكون بعد "غزوة اسامة بن لادن" في سبتمبر على مدينة نيويورك، وهدم البرجين، فإن ترتيبا جديدا وتقسيما للمقسم، وخرائط جديدة للمنطقة وملفاتها وقضاياها، يتم تجهيزها، بعد الاستدارة المعلنة منذ سنوات للولايات المتحدة عن المنطقة، وتحضير اوصياء جدد عليها ممن يستطيعون ان يملؤا الفراغ، وللاسف الشديد، فإن عالمنا العربي بانظمته المهترئة خارج هؤلاء الاوصياء، بانتظار ان تتقدم كل من ايران وتركيا واسرائيل باوراق اعتمادها، وأسماء الدول التي ترغب في الوصاية عليها.

منقول عن العرب اليوم 18/6/2014

http://alarabalyawm.net/?p=252807

د.رحيل محمد غرايبة

مرض ووباء عربي خطير

مايجري في العراق، ومايجري في سوريا، ومايجري في مصر، كلها أعراض لمرض ووباء مستحكم ومنتنشر، وليس هو المرض نفسه، مع الاختلاف والتباين في الأسماء والأصناف التي تطلق على هذا المرض، الذي أصبح وباءً  يكاد ينتشر في العامة والخاصة، ويصيب أرباب السلطة، والحكم كما يصيب الأحزاب والقوى السياسية المعارضة وغير المعارضة.
أصل المرض الذي مازال مستحكماً في الأرض العربية ويطغى على المشهد السياسي يتعلق بالسلطة والحكم على وجه التحديد، وفي كيفية الوصول اليها وفي كيفية ممارستها، وفي طريقة تداولها وتسليمها، وفي كيفية التعامل بين أرباب السلطة من جهة، والشعوب  والمجتمعات والنخب والأحزاب من جهة أخرى.
تبدأ قصة المرض بمفهوم السلطة ومضمونها ابتداءً، حيث تعمق المفهوم الخاطىء لها في نفوس خلق كثير ممن يتعاملون بهذا الشأن عبر التاريخ العربي، بحيث أنقلب مفهوم السلطة من المسؤولية وتحملها الى مفهوم المغانم وجعلها طريقاً للإثراء والحصول على المكاسب، والتسلط على رقاب الناس وأخذ أموالهم ونهب مقدراتهم والسطو على المال العام، والتهرب من الخضوع للقانون والأنظمة، مما جعل السلطة محلاً للصراع والاقتتال واستخدام المباح وغير المباح من أجل الوصول اليها بأي ثمن.
تتطور قصة هذا المرض لتستبد في نفوس الذين امسكوا بالسلطة، بحيث يصبح لديهم خوف وهوس المحافظة عليها، والامساك بها بقوة، والاحتفاظ بها الى الأبد، مما يؤدي بشكل حتمي الى البحث عن الأساليب والوسائل والأدوات التي تحقق هذا الهدف، من خلال النظر إلى خريطة المنافسين، وكل من تحوم حوله التوقعات بالقدرة على الوصول إلى السلطة في وقت من الأوقات، ومن ثم البحث عن الوسائل التي تحول دون وصولهم أو تقدمهم نحو هذا الهدف، أو محاولة التخلص منهم بشكل مادي ومعنوي.
المرحلة الخطيرة من مراحل تطور هذا المرض وتجلياته أن تصل المسألة إلى اعتبار المنافسين أعداء، ويصبح ترتيب درجة العداوة بمقدار امتلاك القدرة على المنافسة، وعلى درجة الاقتراب من مربع السلطة، على سبيل الانتزاع أو الاستيلاء، ومن أهم ملامح هذه الخطورة أن ينسى المتنافسون الأعداء الخارجيين، وأن يغفلوا عن التحديات الخارجية ويصبح الانشغال في الصراع الداخلي ومعارك الإقصاء داخل الوطن بين الأطراف الوطنية والقوى السياسية هو السمة البارزة للمشهد السياسي، ويصل الأمر إلى استباحة القتل والدم والنفي من الحياة، واستخدام أقصى درجات القوة والعنف في معارك السحق الداخلي، وقد يصل الأمر بصاحب السلطة إلى تدمير الدولة وتشريد أعداد هائلة من شعبه، وإهلاك الحرث والنسل من أجل أن لا يهزم في معركة السلطة، والاحتفاظ بها، على رأي الشاعر العربي: (إذا مت ظمآنَ فلا نزل القطر).
هذا هو المرض وأصله باختصار، وإن أخذ شكلاً من أشكال الصراع الديني أو المذهبي أو العرفي أو الايدولوجي أو السياسي والحزبي، فكل من يريد الوصول الى السلطة والاحتفاظ بها يزين لنفسه هذا التصرف، ويحشد ما يستطيع من مبررات وأدلة للتغطية على حب السلطة وسفك الدماء من أجلها، فقد يكون من أجل التمكين لمبدأ أو رأي أو منهج أو فكر أو دين أو مذهب أو طائفة أو عائلة أو شلة أو حزب أو أي فئة بغض النظر عن حظها من الصواب أو اقترابها من الحقيقة.
المصيبة الأكبر في هذا الشأن أن يصبح هذا المرض وباء منتشراً يصيب العامة والخاصة، وقد يدب بالأحزاب مع طول الزمن فيصبح التمسك بالسلطة داخل الحزب مكسباً وطريقاً لتحقيق المنافع، وتنشأ حول السلطة شبكة من المصالح الاقتصادية والمادية الكثيرة والمعقدة، ويدخل فيها النسب والمصاهرة والتعصب الجهوي والقبلي، والمال والشهرة ومستقبل الأبناء، ويصبح الاحتفاظ بالسلطة منهجاً متأصلاً في النفوس يؤدي إلى التفكير بالتخلص من المنافس، والبحث عن كل مايؤدي إلى تحقيق هذا الهدف، على طريقة الزعماء وأرباب السلطة تماماً.
يكمن المرض وجه التحديد في مفهوم المسؤولية العامة والسلطة وجعلها طريقاً للمكاسب ووسيلة للمغانم ، ومركزاً لشبكة المصالح المختلفة والعديدة، والبعد عن كونها خدمة وحملاً ثقيلاً وأمانة أبت السموات والأرض والجبال أن يحملنها، وحملها الظلوم الجهول.
لا سبيل لمعالجة هذا المرض الّا بتخليص السلطة من كل المصالح المادية والمنافع المالية، وتسليمها للعامة اختياراً ومراقبة ومحاسبة، بمنتهى الشفافية، من أجل أن تبقى مغرماً وحملاً ثقيلاً لا يقوى على حمله الّا من كان على منهج عمر بن الخطاب الذي أقتصر على أكل الخبز والزيت مثل عامة المسلمين.

منقول عن الدستور 18/6/2014

http://www.addustour.com/17250/%D9%85%D8%B1%D8%B6+%D9%88+%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%A1+%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A+%D8%AE%D8%B7%D9%8A%D8%B1.html

عداد الزوار

Visitor Counter

احصل على موقع الكتروني مميز تواصل معنا على 0777055700