برامج التيارات الإسلامية المعاصرة

بداية يجدر بنا أن نميز بين الإسلام السياسي، بوصفه ظاهرة سياسية - دينية، وبين الإسلام كعقائد وعبادات وتراث ثقافي. إذ يمكن هنا الانطلاق من تعريف للإسلام السياسي على أنه اللجوء إلى مفردات الإسلام كدين للتعبير عن مشروع سياسي، على أن النقطة المحورية فى الإسلام السياسي ربما كانت هي سعيه للوصول إلى السلطة، باعتبار أنّ ذلك هو الشرط الضروري لإقامة مشروعه. أما تيار العنف فهو يتجسد في جماعات إسلامية مغلقة، مرجعيتهم الدينية تمنحهم يقينا مطلقا لا يجدونه في سواها، كما تمنحهم إيديولوجية مبسطة تحل كافة التناقضات حولهم، وتمنحهم شعورا بالاستشهاد والتسامي والتعالي على الأوضاع الاجتماعية التي يعيشون على هامشها، وأخيرا تمنحهم مشروعية فيما يكنونه من عداء عميق لما حولهم. ولعل الإشكالية الأساسية بالنسبة لهذه الجماعات هي أن خصومتهم النهائية مع مؤسسات المجتمع تمتد إلى الواقع الاجتماعي كله فتجعلهم ينعزلون عنه. وفي سياق بحثنا عن إشكالية الدولة في الفكر السياسي للتيارات الإسلامية، غير العنفية، المعاصرة، نجد من المفيد تناولها كما يلي: (1) - الإسلام المستنير مصطلح شائع منذ ما يزيد عن عقدين من الزمان، يشير إلى تيار فكري يجمع بين الإسلام والعصر. والواقع أنّ الإسلام المستنير تيار ثقافي وجد في كل عصر، عبر تاريخ الإسلام الطويل، يشير إلى تفسير معين للنصوص، واختيار جماعي معين. وهو يمثل إحدى فرق العصر الحديث الكلامية والمذاهب الفقهية والتيارات الفلسفية، وهو قادر على أن يكون جسرا بين التيارات المتصارعة في عصرنا الحاضر، وقادر على المساهمة في الحد من الصراع بين الأخوة/الأعداء (العلمانيين، والسلفيين)، أنصار الدنيا وأنصار الدين، المتحررين والمحافظين. (2) - النهضويون الإسلاميون الجدد حدثت في البيئة المحيطة بالدول والمجتمعات والحركات تحولات كبرى جذرية منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي، وقد وجدت الحركة الإسلامية نفسها أمام هذه التحولات الكبرى والتي تغير من علاقاتها ودورها. فأجرت بعضها مراجعة شاملة لمواقفها الفكرية والسياسية ورؤيتها لقضايا سياسية واجتماعية، مثل: الديموقراطية والتعددية السياسية والمرأة والأقليات وتطبيق الشريعة والحريات الشخصية. وهكذا، كان علينا أن ننتظر ثمانينات القرن الماضي لنرى ملامح مراجعة للأفكار والبرامج باتجاه العودة إلى فكرة المشاركة والديموقراطية لدى بعض أطراف الإسلام السياسي، إذ أعيد الاعتبار مجددا إلى: أولا، فكرة الشورى ومعادلتها بالديموقراطية ومؤسساتها وآلياتها. وثانيا، وصل ما انقطع مع التربة الفكرية للإصلاحية الإسلامية بنفي فكرة الدولة الدينية. وثالثا، إحياء فكرة الطابع المدني للسلطة في الإسلام، ومرجعية الأمة في الشأن العام، واحترام التنوع في الاجتماع السياسي. ولم تقتصر مساحة هذه المراجعة على راشد الغنوشي وحركة النهضة التونسية، أو محمد سليم العوا، بل فرضت نفسها على الإخوان المسلمين في مصر وسورية، وتعززت أكثر عند حركتي " العدالة والتنمية " في تركيا والمغرب. ومن شأن هذه المراجعة وتواصلها أن تعكس، من جهة، هموم قطاع كبير من الرأي العام العربي الحريص على القيم الدينية، والمتمسك بها. وتعمل، من جهة ثانية، مع الحركات الاجتماعية والسياسية الأخرى في التوصل إلى الحلول المجدية، لإقامة نظم سياسية عربية تضمن المساواة والعدالة والحريات الفردية لجميع المواطنين. وقد يكون هذا المدخل في استشراف اتجاه إعادة الحركة الإسلامية لإنتاج نفسها أكثر منطقية وصحة، فهي بحاجة إلى أن تبحث عن تعريف لنفسها يختلف عما كانت عليه طوال العقود الماضية، وهو تعريف يجب أن يكون مستمدا من رؤية لدورها وما تسعى إليه بالفعل، ومن حاجة مجتمعاتنا العربية إلى الانخراط في عصر العولمة بكل تأثيراته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية. وفي الواقع، هناك ثلاث مسائل يركز عليها النهضويون الإسلاميون الجدد: أولاها، مصدر السلطة، حيث توصلوا إلى التفريق بين المرجعية العليا، والأخرى التدبيرية. فالمرجعية العليا للشريعة، أما القضايا التدبيرية فيقولون إنّ المرجعية فيها للمجتمع. وثانيتها، طبيعة السلطة السياسية، يقولون إنها مدنية، بمعنى أنه لا تتوافر لها القداسة أو العصمة شأن السلطة الدينية، كما أنّ الناس هم الذين يشكلونها، وهم الذين يمارسون التفاوض والتنافس بالمشاركة فيها، وبتداولها، وبسن التشريعات البنائية، وليست التأسيسية، التي تنظّم ذلك التداول. وثالثتها، وظائف السلطة، إذ يقول الإصلاحيون الجدد إنها تتناول تدبير الشأن العام وإدارته بما يصلحه، ويصون الوجود الوطني والمصالح الوطنية، بعد أن يكون الاجتماع السياسي بالتفاوض وبالتنافس وبالمشاركة قد حددها، وحدد الطرق والوسائل الكفيلة بالوصول إليها. (3) - أحزاب الوسط الإسلامي شهدت الساحة السياسية العربية، خلال العقدين الماضيين، حضورا مكثفا لتيارات الوسط الإسلامي ذات الطابع السياسي، منها على سبيل المثال: حزب النهضة في تونس، الذي تأسس في عام 1981 تحت مسمى " الاتجاه الإسلامي "، وحزب " العدالة والتنمية " في المغرب الذي يضم بداخله خليطا من الحركة الشعبية الدستورية الديموقراطية التي تأسست عام 1967، وأعضاء من حركة " الإصلاح والتجديد " المغربية، وحزب الوسط الإسلامي الأردني الذي تأسس عام 2001، وحزب " الوسط الجديد " في مصر، الذي يكافح أعضاؤه منذ عشر سنوات من أجل الحصول على رخصة قانونية تمكنه من مزاولة العمل السياسي، ولم يحظوا بها حتى الآن. وثمة عوامل موضوعية تدفعنا نحو دراسة ظاهرة أحزاب الوسط الإسلامية، يمكن أن تساهم في ترسيخ تجربتها، وتكثيف حضورها السياسي في العالم العربي، وما قد يؤدي إليه ذلك من مصالحة تاريخية لإشكالية الدين والدولة، التي شغلت، ولا تزال، حيزا مؤثرا في الفضاء العربي. فمن جهة أولى، تعبر هذه الأحزاب عن درجة متقدمة من الوعي السياسي الإسلامي طالما افتقدته الساحة العربية منذ نشأة الدولة الوطنية، وهو الذي تعرض لقدر كبير من التشويه بفعل الصراع الضاري بين الدولة وتيارات العنف الديني الذي استمر قرابة عقود ثلاثة من القرن المنصرم، ما أثار الشكوك حول فرص " إنضاج " تجربة سياسية إسلامية مدنية. ومن جهة ثانية، تمثل هذه الأحزاب خروجا عن التصنيف التقليدي لتيارات الإسلام السياسي بين معتدل وعنيف، كي تضيف معيارا جديدا للتصنيف يتمثل في الكفاءة السياسية، أي قدرة هذه التيارات على استيعاب مفاهيم الديموقراطية والعمل المدني، والتعاطي معها بعيدا من هيمنة الديني على ممارساتها السياسية. ذلك أنّ هذه الأحزاب، وإن كانت تتمتع بمرجعية دينية تحكم رؤيتها لذاتها وللآخرين، شأنها في ذلك شأن التيارات الإسلامية الأخرى، إلا أنها لا تنطلق في ممارستها السياسية من خلفية دينية، ولا تمثل المرجعية بالنسبة لها سوى " حاضنة حضارية " تتسع لجميع صنوف الاختلاف السياسي والديني داخل الوطن الواحد. ومن جهة ثالثة، تقدم هذه الأحزاب رؤية متميزة لطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، تمكنت خلالها من حل تلك الإشكالية التاريخية، التي طالما لازمت جميع تيارات الإسلام السياسي، وتجاوزت بها أطروحات العديد من التيارات الإسلامية، خصوصا في ما يتعلق بقضايا المواطنة والمرأة. ومن جهة رابعة، تطرح هذه الأحزاب مشروعا " حداثيا " للمجتمعات العربية، وهي بذلك تقدم حلا قد يعتبر " خلاصا " للإشكالية التي أرّقت الفكر الإسلامي طيلة القرن العشرين، ممثلة في كيفية العلاقة بين الدين والحداثة، وما تنطوي عليه من قضايا خلافية تتعلق بالهوية والذات الحضارية وشكل العلاقة مع الآخر. ومن جهة أخيرة، تتمتع هذه الأحزاب بدرجة عالية من المرونة الفكرية، تسمح لها بتطوير أفكارها وآلياتها، وتجعلها في حالة سيولة دائمة واشتباك متجدد مع قضايا العصر، وذلك مقارنة بحركات إسلامية متقوقعة داخل جدران " النص الديني "، دون القدرة على تجاوزها، مما أدى إلى جمودها السياسي والفكري، وقلل من فرص اندماجها في الحياة المدنية. وواقع الأمر فإنه يمكن النظر لأحزاب وتيارات الوسط الإسلامي، باعتبارها وصلا لمشروع النهضة العربية الذي طرحه الآباء المؤسسون: الطهطاوي والتونسي والأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا والكواكبي، وتم قطعه منذ ثلاثينيات القرن الماضي بفعل الأفكار والمشاريع التي طرحتها الأحزاب والتيارات الراديكالية في صياغاتها الماركسية والقومية والدينية. في ضرورة التجديد الإسلامي للمشهد الجديد حسناته وسيئاته بالطبع، ولكن المؤكد أنه بحاجة إلى تفكير جديد يوصل إلى أدوات فهم وعمل جديدة، ويطرح أسئلة جديدة مختلفة، مثل هل يتحول الإسلام إلى مكون لكل التيارات والاتجاهات والطبقات تتشارك فيه ولا يقدم برنامجا سياسيا وثقافيا واجتماعيا خاصا به ؟ بمعنى هل يختفي الاتجاه الإسلامي كتيار مستقل، لنجد مثلا تشكيلات يسارية إسلامية، وليبرالية إسلامية، وعلمانية إسلامية، وقومية إسلامية، ومحافظة إسلامية ؟ لتتحول الإسلامية إلى مكون مشترك، أو تفقد خصوصيتها وتنتهي كظاهرة سياسية وإطار للتجمع والعمل. إن هذه المقولات تتطلب من الحركات الإسلامية تبني جملة من الأفكار والممارسات بشكل صريح لا لبس فيه: (1) - أن تتحول إلى أحزاب سياسية لها برامجها وأهدافها ووسائلها وتنظيماتها، وأن تعزف عن وضعها الحالي، حيث تعتبر نفسها حركات دعوية تلبس أحيانا ثوبا سياسيا. (2) - أن تقبل إجراء قراءات نقدية وجدية معمقة للفقه الإسلامي وللتراث وللأحاديث النبوية وللأحداث التاريخية. (3) - أن تشرح ماذا يعني شعار " الإسلام هو الحل ". هل هو خلاص فردي أم حل سياسي أم اجتماعي أم ثقافي أم اقتصادي ؟ وأن لا تبقيه شعارا عاما غير محدد المعالم والأهداف، باستثناء خاصيته الجاذبة للشعبوية التي تخلط بينه كشعار ديني وشعار سياسي. (4) - أن تشرح للناس معنى أن الإسلام هو المرجعية الأساس للدولة أو المرجعية الرئيسية، كما تشرح مضمون الدولة حسب مفهوم هذه الحركات ومعاييرها ووظائفها ومهماتها ودورها الاقتصادي والاجتماعي. من هنا أهمية مشروع سياسي إسلامي جديد يحاول حل هذه المعضلة، عبر ما يسميه نظاما ديموقراطيا في إطار المرجعية الإسلامية. فالنظام السياسي يقوم على أنّ الشعب هو مصدر السلطات، الأمر الذي يجيب بشكل حاسم على سؤال طالما أربك حركات أصولية طورت خطابها السياسي باتجاه قبول الديموقراطية. والمواطنة، وليس الدين، هي أساس العلاقة بين النظام السياسي والشعب. وأهم ما في هذا المشروع أنه يساعد في طمأنة الخائفين من أن يقضي وصول حركة إسلامية إلى السلطة، في انتخابات حرة، على الديموقراطية في مهدها. ولذلك، فمن شأن مشروع النظام الديموقراطي في إطار مرجعية إسلامية، أن ينقل الحوار حول حقيقة موقف الحركات الإسلامية تجاه الديموقراطية خطوات إلى الأمام. غير أنّ هذه الفكرة لا تزال في حاجة إلى عمل عليها، يجعلها أكثر وضوحا ويزيل الالتباس الذي ما برح عالقا بها. إنّ أهم ما ينبغي أن ينشغل به أصحاب فكرة النظام الديموقراطي ذي المرجعية الإسلامية هو بلورة هذه الفكرة، وتقديم رؤية واضحة غير ملتبسة لهذه المرجعية بما في ذلك كيفية تجسيدها وآليات عملها. المطلوب إذا من الجماعات الإسلامية السياسية أن تكف عن الاستعمال الشعاراتي للإسلام، وأن تبدأ في صوغ النظرية الإسلامية السياسية الناضجة، ولن يكون ذلك إلا من خلال مجموعة من القراءات المعمقة الني يتم فيها استقراء جميع النصوص الشرعية ذات العلاقة بالشأن السياسي، ومحاولة إمعان النظر فيها مع فهم الواقع المعاش بكل تعقيداته، ثم محاولة الخروج برؤية إسلامية سياسية ناضجة، واضحة المعالم ذات عمق شرعي ووعي سياسي، يمكن الانطلاق منها وجعلها قاعدة لخطط إصلاحية عملية. مستقبل الإسلام السياسي الواقع أنّ الظاهرة الإحيائية الإسلامية ما تزال قوية وفاعلة، ولا تتجه إلى الانحسار، والبارز في تيارها الرئيسي ثلاثة أمور: مغادرة العنف، والانتشار ضمن فئات شعبية واسعة، والاتجاه المتعمد خلال العقدين الأخيرين للدخول في الدولة والنظام، أو الطلب القوي للمشاركة فيهما، بعد أن استتب لها الأمر في مؤسسات وجهات كثيرة في المجتمع المدني، وبعد أن سيطرت على " جدول أعمال " المتدينين، وصار لها نفوذ ثقافي بارز. ولا شك في أنّ مسائل مثل التعددية السياسية والحريات الفردية، والأقليات، والمرأة، أمور أساسية لدولنا ومجتمعاتنا. لكن لا يمكن الزعم أنّ الإسلاميين هم الذين يحولون دونها أو يقفون عقبة في طريقها، فهناك من جهة وعي عام محافظ يتجاوز الإسلاميين، وهناك من جهة ثانية التجربة السياسية العربية المعاصرة، التي وضعت الجميع في مواضع ومواطن لا تقدم أغلبها أي أنموذج نستطيع أن نطلب من الإسلاميين احتذاءه. ورغم أنني من أنصار الدولة المدنية القائمة على أسس الديمقراطية الحديثة‏‏ ومبادئها في الحرية والعدل والمساواة واحترام حقوق الإنسان‏،‏ دون تمييز بسبب اللون أو الجنس أو الدين والعقيدة،‏ إلا أنّ واقع صعود التيارات الإسلامية السياسية‏‏ في عالمنا العربي يفرض عليَّ، انطلاقا من موضوعية قراءاتي للتحولات الاجتماعية والسياسية، ومن انخراطي في شجون الشأن السوري والعربي العام، ضرورة دراسة هذا الواقع والاهتمام بتطوراته الإيجابية والسلبية والمساهمة في ترشيدها‏،‏ وفق أسس قانونية وسياسية واجتماعية واضحة المعالم والأهداف والوسائل‏. ولاشك أنّ نشوء تيار إسلامي مدني‏،‏ يؤمن بفصل الدين عن الدولة‏،‏ ودعم الدولة المدنية التي ترعي كل الأديان وتصون مقدساتها، وتضمن حقوق كل مكونات مجتمعاتنا،‏ هو أمر بالغ الأهمية في زماننا الصعب الذي لابد فيه من دعم مؤسسات الدولة المدنية القائمة علي مبدأ المساواة في المواطنة‏،‏ وهو أمر بالغ الحيوية والأهمية لتطوير المفاهيم الدينية‏،‏ ولكن بشرط الإيمان بدنيوية الممارسة السياسية‏،‏ ولوازم الدولة المدنية من الديمقراطية الحقيقية والتعددية‏‏ وتداول السلطة‏،‏ واستناد البرامج السياسية إلى أسس مدنية ومعايير عقلانية،‏ بعيدا عن المزايدات الدينية‏ والتدخل في حيوات الناس الشخصية‏.

تونس في 19/6/2007 الدكتور عبدالله تركماني

كاتب وباحث سوري مقيم في تونس (*) – في الأصل ورقة قُدمت في إطار ندوة دولية حول " الحركات الإسلامية والمجال السياسي في المغرب والبلاد العربية " بدعوة من " مركز الدراسات الدستورية والسياسية " في كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – جامعة القاضي عياض – مراكش – المغرب، بمساهمة من مؤسسة " كونراد أديناور "، خلال يومي 21 و 22 يونيو/حزيران 2007

الضاد ولغة الضـــاد ٢٨ أيلول (سبتمبر) ٢٠٠٧بقلم فاروق مواسي

لقد ظنوا قديمًا وكثيرًا أن حرف الضاد حرف خاص بالعربية ( 1) ، لا تشاركها فيه لغة أخرى . يقول صاحب " القاموس المحيــط " إن " الضاد حرف هجاء للعرب خاصة ، ولا توجد في كلام العجم إلا في القليل " . ونحن اليوم نلفظ الضاد دالاً مفخمة ، وتشاركنا في هذا الصوت لغات أخرى ، فمن شك في ذلك فلينطق مثلاً : don’t ) ) هناك طريقتان للفظ الضاد : قديمة ومعاصرة . وقد وصف سيبويهِ ( ت . 796 م ) اللفظ القديم فقال : " أول حافــَة اللسان وما يليه من الأضراس مخرج الضاد " – ( الكتاب ، ج2 ، ص 489 ) . وهذا الحرف كما نفهم أو نتخيل كان احتكاكيـــًا رخوًا ، بينما هو اليوم في لفظنا انفجاري شديد ومخرجه اللسان واللثة – إنه اليوم دال مفخمة . ويعلل تمام حسان في كتابه " اللغة العربية - معناها ومبناها ذلك ، فيقول : "الضاد الفصيحة كانت تُنطق بواسطة احتكاك هواء الزفير المجهور بجانب اللسان والأضراس المقابلة لهذا الجانب ، ومن ثم يكون صوت الضاد الفصيحة من بين أصوات الرخاوة مثله في ذلك مثل الثاء "( ص 55 ). وقد وصلت إلينا بعض المعلومات التي تشير إلى الطريقة في ذلك اللفظ ، فكان ثمة خلط بين الضاد والظاء ( شأن كثير من العراقيين والمغاربة في لهجاتهم اليوم ) ، ومن ذلك ما أورده الجاحظ ( 868ت . م ) في ( البيان والتبيين ) – ج 2 ، ص 211 ، وأسوق ذلك على سبيل الطرفة : " كان رجل بالبصرة له جارية تسمى ظمــياء ، فكان إذا دعاها قال : يا ضميـــاء ! ، فقال له ابن المقفع : " قل يا ظمياء ! " ، فناداها : " يا ضميـــاء ! " فلما غيّرعليه ابن المقفع مرتين أو ثلاثًا قال له : " هي جاريتي أو جاريتك ؟!!! " . أعود إلى القول إن الضاد القديمة هي التي ميّزت أو تميزت في لغتنا ، وكان د . إبراهيم أنيس قد ذكر ذلك على سبيل التقدير : " ويظهر أن الضاد القديمة مقصورة على اللغة العربية " – الأصوات اللغوية ، ص 49 . فأنيس إذن يُقدّر أنه قد طرأ على لفظ الضاد أو صوتها تطور(2) ، ولكن البحث المستفيض الذي أجراه د . رمضان عبد التواب ( المدخل إلى علم اللغة ، ص 62 ) يؤكد هذا التباين بما لا يدعو إلى الشك ( 3 ) . كما يعلل محمد المبارك أسباب التبدلات الصوتية عامة . ( فقه اللغة وخصائص العربية ، ص 54 ) . ويبدو أن الضاد قد وردت في حديث شريف - في إحدى رواياته : "أنا أفْصَحُ من نَطق بالضَّاد بَيْدَ أني من قُريش" ( انظر تاج العروس للزبيدي ، مادة الضاد ) . أما تعريف العربية بأنها لغة " الضاد " فقد سبق أن وردت بعد عصر الاحتجاج والرواية ، ولعل المتنبي - ت . 965 . م - ( إن لم يكن أول ) من استعملها في المعنى في شعرنا القديم : لا بقومي شرفت بل شرفوا بي وبنفسي فخرت لا بجـــــدودي وبهم فخر كل من نطق الضــادَ وعوذ الجاني وغوث الطريد ثم ذكر البوصيري ( ت . 1296 م ) بعده : فارضَه أفصح امرئ نطق الضا د، فقامت تغار منها الظـــاء ومع ذلك فلم يذكر الثعالبي ( ت . 1038 م ) هذا التركيب " لغة الضاد " في كتابه " ثمار القلوب في المضاف والمنسوب " – مع أنه أدرك المتنبي صغيرًا . بمعنى آخر : لم يكن التعبير شائعًا وذائعًا في اللغة . ثم ورد بعد ذلك على لسان الفيروز أبادي ( ت . 1415 ) في صورة النسبة ، وذلك في قوله : يا باعث النبي الهادي مُفــحمــًا باللسان الضادي وفي شعرنا المعاصر يقول شوقي ( ن . 1932 ) مفاخرًا : إن الذي ملأ اللغات محاسنًا جعل الجمال وسره في الضاد وخليل مطران ( ت . 1949 ) يسمي العرب " بني الضاد " : وفود بني الضاد جاءت إليك وأثنت عليك بما وجبْ ويقول إسماعيل صبري ( ت . 1923 ) : أيها الناطقون بالضاد هذا منهل صفــا لأهل الضاد ويقول حليم دموس ( شاعر لبناني ت . 1957 ) : لغة إذا وقعت على أكبـادنا كانت لنا بردًا على الأكباد وتظل رابطـــة تؤلف بيننا فهي الرجاء لناطق بالضاد أما التعبير الحرفي أو الكناية " لغة الضاد " فقد وجدته أولاً لدى علي الجارم ( 1949 ) : وارث الأصمعي في لغة الضاد وفي الشعر وارث البحتري 1 – نلاحظ أيضًا أن الأمر ليس مقصورًا على الضاد فقد ورد " قالوا مما اختصت به لغة العرب من الحروف وليس هو في غيرها، حرف الظاء، وقال آخرون حرف الظاء والضاد. ولذلك قال أبو الطيب المتنبي: وبهم فخر كل من نطق الضاد - يريد وبهم فخر جميع العرب. وقد ذهب قوم إلى أن الحاء من جملة ما تفردت به لغة العرب، وليس الأمر كذلك، لأني وجدتها في اللغة السريانية كثيراً.( ابن سنان الخفاجي : سر الفصاحة ، ص 20 ) . 2 – يقول الدكتور عبد الرحمن السليمان الباحث في اللغات السامية في حديث له معي : " حرف الضاد كان موجوداً في كل اللغات السامية ، إلا أنها كلها أهملته بل دمجته بالدال تارة والظاء تارة أخرى، إلا العربية الشمالية والعربية الجنوبية (الحميرية والحضرمية والقتبانية والسبئية) والعربية الوسطى (اللحيانية والثمودية)، بالإضافة إلى الأوغاريتية والحبشية. وأما في العبرية فاندمج هو والظاء مع حرف الصاد (قارن: צבי<ظبي وצחק<ضحك). وأصوات العربية هي الأصل في الدراسات السامية وهنالك إجماع تام بشأن ذلك بين المشتغلين باللغات السامية كما تعلم. " 3 – أشار الفقيه التونسي ابن عزوز ( 1854 – 1916 ) في مقطوعة له يصف لفظ الضاد : الضاد مخرجه بحافـــة مِقول يُمنى أو اليسرى بغير عناء الضاد مضبوط متين ما رأت فيه التفشّي دقــــة البصراء ثم امتياز الضاد سهل عند مــن عاناه بالتلقـــن والإلـــــــقاء ومن الخطا في الضاد يُلفظ حرفه دالاً مفخـــــمةً مع استعلاء .

منقول

عداد الزوار

Visitor Counter

احصل على موقع الكتروني مميز تواصل معنا على 0777055700