د.رحيل محمد غرايبة

مرض ووباء عربي خطير

مايجري في العراق، ومايجري في سوريا، ومايجري في مصر، كلها أعراض لمرض ووباء مستحكم ومنتنشر، وليس هو المرض نفسه، مع الاختلاف والتباين في الأسماء والأصناف التي تطلق على هذا المرض، الذي أصبح وباءً  يكاد ينتشر في العامة والخاصة، ويصيب أرباب السلطة، والحكم كما يصيب الأحزاب والقوى السياسية المعارضة وغير المعارضة.
أصل المرض الذي مازال مستحكماً في الأرض العربية ويطغى على المشهد السياسي يتعلق بالسلطة والحكم على وجه التحديد، وفي كيفية الوصول اليها وفي كيفية ممارستها، وفي طريقة تداولها وتسليمها، وفي كيفية التعامل بين أرباب السلطة من جهة، والشعوب  والمجتمعات والنخب والأحزاب من جهة أخرى.
تبدأ قصة المرض بمفهوم السلطة ومضمونها ابتداءً، حيث تعمق المفهوم الخاطىء لها في نفوس خلق كثير ممن يتعاملون بهذا الشأن عبر التاريخ العربي، بحيث أنقلب مفهوم السلطة من المسؤولية وتحملها الى مفهوم المغانم وجعلها طريقاً للإثراء والحصول على المكاسب، والتسلط على رقاب الناس وأخذ أموالهم ونهب مقدراتهم والسطو على المال العام، والتهرب من الخضوع للقانون والأنظمة، مما جعل السلطة محلاً للصراع والاقتتال واستخدام المباح وغير المباح من أجل الوصول اليها بأي ثمن.
تتطور قصة هذا المرض لتستبد في نفوس الذين امسكوا بالسلطة، بحيث يصبح لديهم خوف وهوس المحافظة عليها، والامساك بها بقوة، والاحتفاظ بها الى الأبد، مما يؤدي بشكل حتمي الى البحث عن الأساليب والوسائل والأدوات التي تحقق هذا الهدف، من خلال النظر إلى خريطة المنافسين، وكل من تحوم حوله التوقعات بالقدرة على الوصول إلى السلطة في وقت من الأوقات، ومن ثم البحث عن الوسائل التي تحول دون وصولهم أو تقدمهم نحو هذا الهدف، أو محاولة التخلص منهم بشكل مادي ومعنوي.
المرحلة الخطيرة من مراحل تطور هذا المرض وتجلياته أن تصل المسألة إلى اعتبار المنافسين أعداء، ويصبح ترتيب درجة العداوة بمقدار امتلاك القدرة على المنافسة، وعلى درجة الاقتراب من مربع السلطة، على سبيل الانتزاع أو الاستيلاء، ومن أهم ملامح هذه الخطورة أن ينسى المتنافسون الأعداء الخارجيين، وأن يغفلوا عن التحديات الخارجية ويصبح الانشغال في الصراع الداخلي ومعارك الإقصاء داخل الوطن بين الأطراف الوطنية والقوى السياسية هو السمة البارزة للمشهد السياسي، ويصل الأمر إلى استباحة القتل والدم والنفي من الحياة، واستخدام أقصى درجات القوة والعنف في معارك السحق الداخلي، وقد يصل الأمر بصاحب السلطة إلى تدمير الدولة وتشريد أعداد هائلة من شعبه، وإهلاك الحرث والنسل من أجل أن لا يهزم في معركة السلطة، والاحتفاظ بها، على رأي الشاعر العربي: (إذا مت ظمآنَ فلا نزل القطر).
هذا هو المرض وأصله باختصار، وإن أخذ شكلاً من أشكال الصراع الديني أو المذهبي أو العرفي أو الايدولوجي أو السياسي والحزبي، فكل من يريد الوصول الى السلطة والاحتفاظ بها يزين لنفسه هذا التصرف، ويحشد ما يستطيع من مبررات وأدلة للتغطية على حب السلطة وسفك الدماء من أجلها، فقد يكون من أجل التمكين لمبدأ أو رأي أو منهج أو فكر أو دين أو مذهب أو طائفة أو عائلة أو شلة أو حزب أو أي فئة بغض النظر عن حظها من الصواب أو اقترابها من الحقيقة.
المصيبة الأكبر في هذا الشأن أن يصبح هذا المرض وباء منتشراً يصيب العامة والخاصة، وقد يدب بالأحزاب مع طول الزمن فيصبح التمسك بالسلطة داخل الحزب مكسباً وطريقاً لتحقيق المنافع، وتنشأ حول السلطة شبكة من المصالح الاقتصادية والمادية الكثيرة والمعقدة، ويدخل فيها النسب والمصاهرة والتعصب الجهوي والقبلي، والمال والشهرة ومستقبل الأبناء، ويصبح الاحتفاظ بالسلطة منهجاً متأصلاً في النفوس يؤدي إلى التفكير بالتخلص من المنافس، والبحث عن كل مايؤدي إلى تحقيق هذا الهدف، على طريقة الزعماء وأرباب السلطة تماماً.
يكمن المرض وجه التحديد في مفهوم المسؤولية العامة والسلطة وجعلها طريقاً للمكاسب ووسيلة للمغانم ، ومركزاً لشبكة المصالح المختلفة والعديدة، والبعد عن كونها خدمة وحملاً ثقيلاً وأمانة أبت السموات والأرض والجبال أن يحملنها، وحملها الظلوم الجهول.
لا سبيل لمعالجة هذا المرض الّا بتخليص السلطة من كل المصالح المادية والمنافع المالية، وتسليمها للعامة اختياراً ومراقبة ومحاسبة، بمنتهى الشفافية، من أجل أن تبقى مغرماً وحملاً ثقيلاً لا يقوى على حمله الّا من كان على منهج عمر بن الخطاب الذي أقتصر على أكل الخبز والزيت مثل عامة المسلمين.

منقول عن الدستور 18/6/2014

http://www.addustour.com/17250/%D9%85%D8%B1%D8%B6+%D9%88+%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%A1+%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A+%D8%AE%D8%B7%D9%8A%D8%B1.html

أضف تعليق

سيتم نشر التعليقات بعد مراجعتها


عداد الزوار

Visitor Counter

احصل على موقع الكتروني مميز تواصل معنا على 0777055700