تنمية الفكر السياسي في الأردن

    الفكر هو الذي يميز الإنسانية جمعاء والفكر الرفيع هو الذي يجعل هذا الشعب أو هذه الأمة في أعلى درجات الرقي والحضارة بين الشعوب والأمم الأخرى.والفكر النامي المتطور نحو الأفضل باستمرار هو الذي يصنع الديمومة للأمة والنمو الفكري هو بالتأكيد هو أسمى نمو وهو الأعظم دائما  .

  إن الفكر السياسي على وجه الخصوص هو البذرة الأولى لصناعة الحضارة وصناعة الإنسان في كل أمة من الأمم ، لأن الإنسان سياسي بالفطرة قبل كل شيء، ولأنه هو من يبحث عن السلطة ليصنعها ليعرف كيف يعيش لتكون هناك "سياسة"، والفكر السياسي هو الذي يتفاعل مع الأحداث فمرة يصنعها ومرة أخرى تؤثر فيه الأحداث فتعمل على تطويره والرقي به ، ولذلك لا بد من أن يعيش الإنسان ـ سياسيا ـ في هذا الواقع حتى يكون صانعا للقرار السياسي وشريكا فيه.

لقد تطور الفكر السياسي وظهرت له نظرياته عبر التاريخ وكان لكل دولة نظامها السياسي منذ الفراعنة والرومان والهنود والفرس وصولا إلى الدولة الإسلامية التي كان لها نظامها السياسي الخاص الوارد في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة , وقد أصّل الإسلام دور الفرد في المجتمع وأنه شريك في كل شيء يقول تعالى على لسان لقمان عليه السلام وهو يوصي ابنه ( يا بنيّ أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور )"لقمان 17"وهذا الخطاب القرآني يشير إلى مشروعية التفكير السياسي والمشاركة في العمل السياسي فمن واجب الفرد ـ من خلال نشاطه الفردي أو نشاطه الجماعي في الحزب أو مؤسسات المجتمع المدني وغيرها ـ  أن يقدم النصح والمشورة للدولة .

والرسول عليه السلام أشار إلى ضرورة تحمل المسؤولية في المشاركة السياسية في الحكم وإدارة شؤون الدولة حين خاطب الناس جميعهم حكاما ومحكومين فقال ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) والمسؤولية هنا تبدأ من الأسرة وواجبات كل فرد فيها ، وهكذا يتعلم أفراد الأسرة كلهم المسؤولية ـ فيما بعد ـ في كل مؤسسة يعمل فيها ويتفاعل مع الأحداث في المدرسة والجامعة والوزارة والمصنع والحزب ومؤسسات المجتمع المدني ومجلس النواب وغير ذلك .ومن هنا يأتي حق الفرد في معرفة ما يجري من حوله من أحداث في الكل الشؤون التي تتصل بمصلحة الجماعة وواجب الحكومة أن تعمل ضمن أعلى درجات الشفافية ليكون المجتمع عونا لها في كل قراراتها ،وواجب الفرد تقديم الرأي وإسداء النصيحة بالحكمة والموعظة الحسنة لولي الأمر ، ويأتي هنا دور الإعلام المحلي الذي عليه تقديم كل الحقيقة حتى لا ينتظرها من إعلام آخر.

أما تنمية الفكر السياسي فهو موضوع يرتبط أولا بمفهوم التنمية ودلالتها فهي تشير إلى وجود شيء إيجابي في المجتمع نريد له أن يتطور ويتحسن ليصل إلى الأفضل فهي بذلك لا ترتبط بفراغ أو اللاوجود  فهناك بذرة موجودة في تربة صالحة للعيش في بيئة مناسبة لا يمكن لهذه البذرة أن تصبح شجرة قوية متجذرة في الأرض شامخة في السماء ذات ثمار طيبة إلا إذا وجدت الهواء والماء والتربة الصالحة للزراعة .والتنمية السياسية شكل من أشكال التنمية فكما هناك تنمية اقتصادية وتنمية اجتماعية إلخ هناك التنمية السياسية التي تشير إلى المشاركة في شؤون الحكم وتوسيع دائرة المشاركة السياسية للأفراد والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني وتفعيل نطاق المشاركة وتشجيعها ولا بد من تطوير النظم والأساليب والأدوات التي تكفل تحقيق أهداف الدولة وزيادة الوعي لدى الأفراد بأبجديات العمل السياسي ، والفكر السياسي هو باختصار ما يتصوره عقل الفرد حول ظاهرة سياسية تحدث على أرض الواقع حيث يصبح هذا التصور مؤشرا لمدى مشاركة الفرد في العمل السياسي .

إن الفكر السياسي المنظم  في الأردن له تاريخ طويل بدأ مع قيام الدولة الأردنية منذ عهد الإمارة وحتى الآن ولكن المشاركة الشعبية في العمل السياسي عبر العقود الماضية كانت بين مد وجزر مرة تكون في قمتها ومرة تصل إلى أدنى درجاتها ولا نريد أن نبحث في أسبابها فبعضها ظروف خارجية ومتغيرات دولية  وبعضها الآخر ظروف داخلية        أما نحن الآن فبحاجة حقيقية إلى تنمية حقيقية للفكر السياسي والعمل السياسي وتوسيع دائرة المشاركة السياسية لتشمل جميع أفراد الشعب والتركيز على فئة الشباب وقبل ذلك التوجه نحو رياض الأطفال والمدارس ليتعلموا فن السياسة على مقاعد الدرس وحتى نشجع ذلك لا بد من أخذ الأمور التالية بعين الاعتبار :

*حرية التعبير عن الرأي  : حيث لا يمكن أن تكون هناك تنمية للفكر السياسي بدون هذه الحرية التي هي حق مكتسب لكل فرد وهو حق كفله الدستور الأردني وهي بالتأكيد الحرية المسؤولة التي تضع مصلحة الوطن وأجندته الوطنية فوق كل الاعتبارات وهي ليست الحرية المطلقة التي تهدم ولا تبني .

والحرية نظر إليها الإسلام على أنها حاجة ضرورية لكل إنسان بل جعلها فريضة إلهية وترك حرية المعتقد متروكة للفرد فقال تعالى :  (لا إكراه في الدين ) سورة البقرة 256 فإذا كان الإسلام قد ترك للإنسان أن يتخذ الدين الذي يرغبه فكيف بحرية التعبير وإبداء الرأي  ؟ وقد مارس الرسول عليه السلام ذلك حين وضع نظام الدولة الإسلامية في المدينة المنورة فأشار في هذا النظام إلى أن " لليهود دينهم وللمسلمين دينهم " كما مارس الصحابة الحرية قولا وسلوكا وعملا فقال عمر بن الخطاب وهو ينتصر للمصري من عمرو بن العاص وابنه : " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ؟" قال تعالى (وشاورهم في الأمر)سورة آل عمران 159وقوله تعالى ( وأمرهم شورى بينهم ) سورة الشورى 38.ولهذا فللفرد الحق في المشاورة والمشاركة في العمل السياسي

* العدالة والمساواة : وهي من المبادئ الأساسية التي يجب أن يشعر بها كل فرد في المجتمع حتى لا يطغى الظلم وينتفي العدل والأصل أن تكون هناك عدالة في توزيع المكتسبات والوظائف والثروة لتصل إلى كل الأفراد وأن يكون مقياس التفاضل للوصول إلى الوظيفة الأعلى هو الكفاءة وحين ذلك نصل إلى المساواة في الحقوق والواجبات التي كفلها الدستور ويراعى هنا سن القوانين التي تكفل حماية كل الطبقات الاجتماعية من سوء توزيع الثروة بحيث لا تكون في أيدي فئة من فئات المجتمع وهو الذي أدى إلى ذوبان الطبقة الوسطى وظهور طبقتين : طبقة الأثرياء وأصحاب المال وطبقة الفقراء بل الأشد فقرا ،  ولا يمكن أن تكون هناك تنمية شاملة وحقيقية في الشأن السياسي إلا بتجذير مبدأ العدالة والمساواة وإلا أصيب الناس باليأس والإحباط ويصبح العزوف عن العمل السياسي والإقبال عليه مطلبا للكثير من الناس وزادت نسبة الأغلبية الصامتة من النخب السياسية والفكرية و الثقافية .

*الأمن : الأمن النفسي والأمن السياسي والأمن الاجتماعي والاقتصادي والصحي كل هذه الأشكال من الأمن يحتاجها الفرد في كل مجتمع من المجتمعات وقد وقف القرآن الكريم وقفة طويلة عند حق الإنسان في الأمن والاستقرار الذي هو أساس الانطلاق إلى كل مشاركة في شؤون المجتمع وقد حفظ الإسلام الفرد والمجتمع من الجريمة والقتل الذي يقود إلى الفوضى ونشر الرعب بين الأفراد وجعل حياة الفرد مساوية لحياة البشرية جمعاء ، قال تعالى : ( من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا )  سورة المائدة 32 كما جعل الإسلام في القصاص حياة وأمن للمجتمع وحماية له وخاطب ذوي العقول الراجحة المتزنة فقال تعالى : (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ) سورة البقرة 179

وتحت مفهوم الأمن تندرج الكثير من الموضوعات مثل الحد من ظاهرة البطالة وتوفير العمل المناسب لكل فرد وتقديم العون والمساعدات للفقراء وغير القادرين على الكسب  وتوفير المسكن المناسب وشمولية المواطن بالتأمين الصحي ومجانية التعليم الذي يرهق ميزانية الأثرياء في الأردن فكيف بالناس العاديين الذين يدرسون أبناءهم من رواتبهم الشهرية ؟

وحتى تكون هناك تنمية حقيقية للفكر السياسي في الأردن علينا أن ننطلق مما يلي :

·     الإيمان بأن الإنسان في مجتمعنا على اختلاف مستوياته الثقافية والاجتماعية هو سياسي بالفطرة وليست السياسة قاصرة على النخب الثقافية فقط وهذا الإنسان لا يمكن أن يحدث التغيير الذي نريد إلا إذا كان مؤهلا سياسيا وبالتالي علينا نتوجه إليه ببرامجنا السياسية الهادفة الواعية ليكون عضوا نشطا مشاركا في العمل السياسي بعد توفير الحاجات التي ذكرناها آنفا .

·     لا يمكن أن تكون هناك تنمية للفكر السياسي إلا بوجود الأحزاب وهي كمؤسسات في دول العالم المتقدمة شريك رئيس في العمل السياسي وصناعة القرار السياسي ببرامجها الوطنية الشاملة على الصعيدين الوطني والدولي فهي التي تقدم رؤيتها وبرنامجها السياسي والإصلاحي للحكومة بعد استنادها إلى قواعدها الشعبية .. حتى نصل في الأردن إلى أحزاب تفوز في الانتخابات ويشكل هذا الحزب أو ذاك الحكومة برنامجها السياسي هو برنامج الحزب الفائز وتكون الأحزاب الأخرى والمستقلون يمارسون دور المعارضة والرقابة على مدى تنفيذ الحزب الحاكم لبرنامجه السياسي وإلا فسيسقط الحزب وحكومته عند أول امتحان أمام الشعب .

·     طرح قانون الأحزاب للنقاش للتوصل إلى ما هو أفضل من خلال تعديله بما يخدم العمل السياسي في الأردن .

·     خلق بيئة سياسية آمنة لكل أفراد المجتمع للانخراط في العمل السياسي دون خوف أو تردد وأن يتخلص المواطن من الأفكار التي علقت في ذاكرته عن الذين انتموا للأحزاب في العقود السابقة

·     وضع قانون الأحزاب تحت الدراسة والتعديل وطرحه للنقاش مع كل الأطياف السياسية لمواصلة العمل الديمقراطي في الأردن والسير به نحو الأفضل

·     تفعيل دور البيت والمؤسسات التعليمية المدارس والجامعات  في تنشيط العمل السياسي والتوجه إلى الأطفال والشبان لتربيتهم سياسيا والمشاركة في صنع القرار السياسي وإبداء النظر فيه .ويكون ذلك من خلال :

ü           أن نبدأ بالأسرة وتوجيه برامج توعية لها لضرورة المشاركة في العمل السياسي والمشاركة في الانتخابات واختيار الأفضل وأن تشتمل هذه البرامج على مواصفات النائب الجيد وتفعيل دور الإعلام المرئي والمسموع والمقروء في هذه البرامج وتوظيف البرامج الموجهة إلى الأطفال من الرسوم المتحركة إلى الدراما الهادفة المناسبة لمستوياتهم العقلية والعمرية  .

ü           الاهتمام بالمدرسة النواة الثانية من خلال البرامج التي تبث الوعي في نفوسهم وتفعيل المناهج الدراسية المتعلقة بهذا الموضوع وتعديلها بشكل دوري بما يخدم المستجدات السياسية محليا وعربيا ودوليا .

ü           تفعيل دور الجامعات في العمل السياسي سلوكا وعملا وممارسة من خلال اتحادات الطلبة وتدريبهم على صياغة برامج عمل سياسية تخدم فئتهم وحضورهم جلسات مجلس الأمة بشقيه الأعيان والنواب بشكل دوري .

ü           ورغم رفضي لمبدأ الكوتا وقبولي لها مرحليا إلا أنني أقترح أن تكون هناك ( كوتا) أو مقاعد مخصصة لطلية الجامعات في الأردن مقعدان مثلا مع إعادة النظر في سن النائب لهذه الفئة بما يتناسب وسن طالب الجامعة

ü           عقد ندوات حوارية متنوعة في الشأن السياسي تقوم بها مديريات الثقافة في المحافظات لحزبيين سابقين يتحدثون عن تجاربهم في العقود السابقة في العمل الحزبي والعمل السياسي بالتعاون مع أجهزة الإعلام تلفزيون صحافة إذاعة إلخ

ü           إصدار مجلات شبابية متخصصة وصحيفة يومية أو أسبوعية متخصصة في الشؤون السياسية يحررها شباب من مختلف الأطياف وبالتعاون مع أقسام الصحافة والإعلام في الكليات الجامعية والأكاديميين ورجال السياسة والحزبيين .

  هذه الأفكار التي يمكن أن تسهم في تنمية الفكر السياسي التي تقود في النهاية إلى ممارسة السياسة عملا وسلوكا

د. خالد سليمان الخلفات

جامعة الطفيلة التقنية /كلية الآداب قسم اللغة العربية

عداد الزوار

Visitor Counter

احصل على موقع الكتروني مميز تواصل معنا على 0777055700