وقفة على أطلال العمر
 
 
ذَهبَ العُمْرُ غُربةً واكْتِئابا
وَقَضَيناهُ جَيْئةً وَذَهَابا
وَأَتانا مِن دَهرِنا نَائباتٌ
شَيَّبَتْنا وَما عَرَفنَا الشَّبَابا
حَيثُ سِرْنا أَسِنَّةٌ مُشْرَعاتٌ
وَالدِّمَاءُ الدِّماءُ صَارتْ شَرَابا
لَم يَعُدْ في الوُجودِ أَمنٌ وَحُبٌّ
أَصبحَ الكَونُ في الضَّلالَةِ غَابا
وَالكَرِيمُ الكَرِيمُ أَضحَى مُهاناً
وَاللَّئيمُ اللَّئيمُ أَضحَى مُهَابا
يَا إلهِي، ما لِي بِغَيرِكَ عَونٌ
فَأَجِرني.. فَلَستُ أَرجُو الذِّئابا
وَرَجائي لِغَيرِ ذَاتِكَ شِركٌ
.. كَم رَأَينا مُوَحِّداً مُرتَابا
يَا إلهِي وَخَالِقي وَمَلاَذِي
لا تَدَعنِي إذا النَّصِيرُ تَغَابى

لا تَدَعني فَقدْ شَبِعتُ جِراحاً
لا تَدَعنِي فَقدْ كُسِيتُ الحِرَابا
أنتَ تَدرِي - يا عَالِمَ السِّرِّ مِنِّي -
مَا عَرَاني، وَإِخوَتي مَا أَصَابا
إنْ خَسِرنا مِن الدُّنَى كُلَّ شيءٍ
حَسْبُنا رِبحاً أنْ حَمَلْنا الكِتَابا
سَوفَ نَمضِي مِثلَ اللُّيوثِ أُباةً
.. عَاشقُ الحُورِ يَزدَري ذا التُّرَابا
نَحنُ جُندٌ لِرَبِّنا مُذْ وُجِدْنا
فَحَبَانا الهُدَى لنا مِحْرَابا
مَا حَنَيْنا الجَبِينَ إلاَّ لِرَبٍّ
يَمْلِكُ الخَيرَ وَحدَهُ وَالعِقابا
مَن عَرَاهُ بِقُدرَةِ اللهِ شَكٌّ
كانَ أَولَى بِأَنْ يَتُوبَ مَتَابا
وَالذَّكِيٌّ الذكيُّ يَعبُدُ ربًّا
وَالغَبِيُّ الغبيُّ يَهوَى التَّبَابا
كُلَّ يَومٍ يَهِيمُ في أَلْفِ ربٍّ
وَالهَوى رَبُّ مَن يَعافُ الصَّوَابا
مَا شَرِبْنا مِن أُمِّ لَيلَى مسَاغاً
أوْ عَشِقْنَا مِن أمِّ دَفْرٍ جَنَابا
أوْ لَهَانا عَنِ الهُدَى وَصلُ دَعْدٍ
أو خَلَعْنا في اللَّهوِ عنَّا الثِّيابا
وَاللُّيوثُ الليوثُ تَأْبَى خُضُوعاً
وَاللُّيوثُ الليوثُ تَحْيَا غِضَابا
والشُّجَاعُ الشجاعُ يَطْلبُ حَقًّا
بِظُبَا السَّيفِ، لَيسَ يَرْجُو الذُّنَابَى
وَحَياةٌ مِن غَيرِ هَدْيٍ وَدِينٍ
لا تُساوِي شُعَيرةً أوْ سَرَابا
شَرُّ عَيشٍ عَيشٌ لِبَطنٍ وَفَرْجٍ
ذاكَ عَيشٌ ما عَادَ يُغْرِي الكِلابا
يا إلهِي، لقَدْ مَضَى شَطرُ عُمْرِي
فَاعْفُ عَنِّي إذَا وُرِيتُ التُّرَابا
لا تَدَعْنِي حتَّى وَلَو طالَ عُمْرِي
كمْ عَجُوزٍ في شَيْبِهِ قد تَصَابَى!


رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Literature_Language/0/23170/#ixzz2BepfItrl

أنشودة المطر ...

بدر شاكر السباب

عَيْنَاكِ غَابَتَا نَخِيلٍ سَاعَةَ السَّحَرْ ،

أو شُرْفَتَانِ رَاحَ يَنْأَى عَنْهُمَا القَمَرْ  .

عَيْنَاكِ حِينَ تَبْسُمَانِ تُورِقُ الكُرُومْ

وَتَرْقُصُ الأَضْوَاءُ ...كَالأَقْمَارِ في نَهَرْ

يَرُجُّهُ المِجْدَافُ وَهْنَاً سَاعَةَ السَّحَرْ

كَأَنَّمَا تَنْبُضُ في غَوْرَيْهِمَا ، النُّجُومْ ...

 

وَتَغْرَقَانِ في ضَبَابٍ مِنْ أَسَىً شَفِيفْ

كَالبَحْرِ سَرَّحَ اليَدَيْنِ فَوْقَـهُ المَسَاء ،

دِفءُ الشِّتَاءِ فِيـهِ وَارْتِعَاشَةُ الخَرِيف ،

وَالمَوْتُ ، وَالميلادُ ، والظلامُ ، وَالضِّيَاء ؛

فَتَسْتَفِيق مِلء رُوحِي ، رَعْشَةُ البُكَاء

كنشوةِ الطفلِ إذا خَافَ مِنَ القَمَر !

كَأَنَّ أَقْوَاسَ السَّحَابِ تَشْرَبُ الغُيُومْ

وَقَطْرَةً فَقَطْرَةً تَذُوبُ في المَطَر ...

وَكَرْكَرَ الأَطْفَالُ في عَرَائِشِ الكُرُوم ،

وَدَغْدَغَتْ صَمْتَ العَصَافِيرِ عَلَى الشَّجَر

أُنْشُودَةُ المَطَر ...

مَطَر ...

مَطَر...

مَطَر...

تَثَاءَبَ الْمَسَاءُ ، وَالغُيُومُ مَا تَزَال

تَسِحُّ مَا تَسِحّ من دُمُوعِهَا الثِّقَالْ .

كَأَنَّ طِفَلاً بَاتَ يَهْذِي قَبْلَ أنْ يَنَام :

بِأنَّ أمَّـهُ - التي أَفَاقَ مُنْذُ عَامْ

فَلَمْ يَجِدْهَا ، ثُمَّ حِينَ لَجَّ في السُّؤَال

قَالوا لَهُ : " بَعْدَ غَدٍ تَعُودْ .. " -

لا بدَّ أنْ تَعُودْ

وَإنْ تَهَامَسَ الرِّفَاقُ أنَّـها هُنَاكْ

في جَانِبِ التَّلِّ تَنَامُ نَوْمَةَ اللُّحُودْ

تَسفُّ مِنْ تُرَابِـهَا وَتَشْرَبُ المَطَر ؛

كَأنَّ صَيَّادَاً حَزِينَاً يَجْمَعُ الشِّبَاك

وَيَنْثُرُ الغِنَاءَ حَيْثُ يَأْفلُ القَمَرْ .

مَطَر ...

مَطَر ...

أتعلمينَ أيَّ حُزْنٍ يبعثُ المَطَر ؟

وَكَيْفَ تَنْشج المزاريبُ إذا انْهَمَر ؟

وكيفَ يَشْعُرُ الوَحِيدُ فِيهِ بِالضّيَاعِ ؟

بِلا انْتِهَاءٍ - كَالدَّمِ الْمُرَاقِ ، كَالْجِياع ،

كَالْحُبِّ ، كَالأطْفَالِ ، كَالْمَوْتَى - هُوَ الْمَطَر !

وَمُقْلَتَاكِ بِي تُطِيفَانِ مَعِ الْمَطَر

وَعَبْرَ أَمْوَاجِ الخَلِيج تَمْسَحُ البُرُوقْ

سَوَاحِلَ العِرَاقِ بِالنُّجُومِ وَالْمَحَار ،

كَأَنَّهَا تَهمُّ بِالشُّرُوق

فَيَسْحَب الليلُ عليها مِنْ دَمٍ دِثَارْ .

أصيح بالخليج : " يا خليجْ

يا واهبَ اللؤلؤ ، والمحار ، والردى ! "

فيرجعُ الصَّدَى

كأنَّـه النشيجْ :

" يَا خَلِيجْ

يَا وَاهِبَ المَحَارِ وَالرَّدَى ... "

 

أَكَادُ أَسْمَعُ العِرَاقَ يذْخرُ الرعودْ

ويخزن البروق في السهولِ والجبالْ ،

حتى إذا ما فَضَّ عنها ختمَها الرِّجالْ

لم تترك الرياحُ من ثمودْ

في الوادِ من أثرْ .

أكاد أسمع النخيل يشربُ المطر

وأسمع القرى تَئِنُّ ، والمهاجرين

يُصَارِعُون بِالمجاذيف وبالقُلُوع ،

عَوَاصِفَ الخليج ، والرُّعُودَ ، منشدين :

" مَطَر ...

مَطَر ...

مَطَر ...

وفي العِرَاقِ جُوعْ

وينثر الغلالَ فيه مَوْسِمُ الحصادْ

لتشبعَ الغِرْبَان والجراد

وتطحن الشّوان والحَجَر

رِحَىً تَدُورُ في الحقول … حولها بَشَرْ

مَطَر ...

مَطَر ...

مَطَر ...

وَكَمْ ذَرَفْنَا لَيْلَةَ الرَّحِيلِ ، مِنْ دُمُوعْ

ثُمَّ اعْتَلَلْنَا - خَوْفَ أَنْ نُلامَ – بِالمَطَر ...

مَطَر ...

مَطَر ...

وَمُنْذُ أَنْ كُنَّا صِغَارَاً ، كَانَتِ السَّمَاء

تَغِيمُ في الشِّتَاء

وَيَهْطُل المَطَر ،

وَكُلَّ عَامٍ - حِينَ يُعْشُب الثَّرَى- نَجُوعْ

مَا مَرَّ عَامٌ وَالعِرَاقُ لَيْسَ فِيهِ جُوعْ .

مَطَر ...

مَطَر ...

مَطَر ...

في كُلِّ قَطْرَةٍ مِنَ المَطَر

حَمْرَاءُ أَوْ صَفْرَاءُ مِنْ أَجِنَّـةِ الزَّهَـرْ .

وَكُلّ دَمْعَةٍ مِنَ الجيَاعِ وَالعُرَاة

وَكُلّ قَطْرَةٍ تُرَاقُ مِنْ دَمِ العَبِيدْ

فَهيَ ابْتِسَامٌ في انْتِظَارِ مَبْسَمٍ جَدِيد

أوْ حُلْمَةٌ تَوَرَّدَتْ عَلَى فَمِ الوَلِيــدْ

في عَالَمِ الغَدِ الفَتِيِّ ، وَاهِب الحَيَاة !

مَطَر ...

مَطَر ...

مَطَر ...

سيُعْشِبُ العِرَاقُ بِالمَطَر ... "

 

أصِيحُ بالخليج : " يا خَلِيجْ ...

يا واهبَ اللؤلؤ ، والمحار ، والردى ! "

فيرجعُ الصَّدَى

كأنَّـهُ النشيجْ :

" يا خليجْ

يا واهبَ المحارِ والردى . "

وينثر الخليجُ من هِبَاتِـهِ الكِثَارْ ،

عَلَى الرِّمَالِ ، : رغوه الأُجَاجَ ، والمحار

وما تبقَّى من عظام بائسٍ غريق

من المهاجرين ظلّ يشرب الردى

من لُجَّـة الخليج والقرار ،

وفي العراق ألف أفعى تشرب الرحيقْ

من زهرة يربُّها الرفاتُ بالندى .

وأسمعُ الصَّدَى

يرنُّ في الخليج

" مطر .

مطر ..

مطر ...

في كلِّ قطرةٍ من المطرْ

حمراءُ أو صفراءُ من أَجِنَّـةِ الزَّهَـرْ .

وكلّ دمعة من الجياع والعراة

وكلّ قطرة تراق من دم العبيدْ

فهي ابتسامٌ في انتظارِ مبسمٍ جديد

أو حُلْمَةٌ تورَّدتْ على فمِ الوليدْ

في عالَمِ الغَدِ الفَتِيِّ ، واهب الحياة . " 

وَيَهْطُلُ المَطَرْ ..

لأعمال الكاملة : ديوان أنشودة المطر " المجلد الأول ص 474 . دار العودة - بيروت - 1997  .

عداد الزوار

Visitor Counter

احصل على موقع الكتروني مميز تواصل معنا على 0777055700