صفحات أندلسية

المعتمد بن عباد

الملك والشاعر الأسير

 

ما أشبه الليلة بالبارحة!وما أشدها من أيام تلك التي نواجهها الآن!في هذه المحطة نتوقف عند الأندلس ذاك  الفردوس المفقود الذي ضيعناه لأننا تعودنا على أن  نضيّع كل شيء جميل في حياتناـ نحن العرب ،ثمانية قرون كنا هناك في الأندلس وكنا  الحضارة الرائعة التي شرعنا أبوابها ليغرف منها الأوروبيون ما يشاؤون فصنعوا حضارتهم فيما بعد .

 

اليوم نسينا الأندلس وغيرها وفرطنا في كل شيء ولم يبق من الأندلس إلا شيء واحد هذه القسمة التي ارتضيناها حين كنا في فريقين : فريق يؤيد ويؤازر (نادي برشلونة) وآخر يؤيد ( ريال مدريد)

 

 نستذكر في عصرنا هذا عصر دول الطوائف في الأندلس حين سقطت الخلافة الأموية وقامت دولة بني عباد في إشبيلية وكان آخر ملوكهم المعتمد بن عباد الشاعر والملك وكانت هذه الدولة مطمعا هي وغيرها للإسبانيين للسيطرة عليها واستعادة بلادهم إليها وحين أحس المعتمد بهذا الخطر ـ وقد كان من قيل يتحالف مع الإسبان ضد دول الطوائف الأخرى ويعيش حياة الترف واللهو  ـ استنجد بدولة المرابطين في المغرب بقيادة يوسف بن تاشفين  وحذرته الحاشية منه خوفا من سيطرته على دولته   لكنه رفض وقال قولته المشهورة :" لأن أرعى الجمال عند ابن تاشفين خير من أن  أرعى الخنازير عند الأذفونش مع سخطه " ونصره ابن تاشفين وكانت معركة الزلاقة الشهيرة التي كانت نصرا للمسلمين ودحر الجيش الإسلامي جيوش الإسبان .

ثم عاد ابن تاشفين إلى المغرب ، وعاد المعتمد مرة أخرى إلى لهوه ومجونه  فعاد ابن تاشفين  ليقاتل حليفه بالأمس المعتمد بن عباد ويسقط دولته ويأخذه أسيرا إلى المغرب ويسجن في أغمات .

  وفي السجن قال أجمل قصائده الشعرية التي عبرت عن تجربة حقيقية لحياة الذل التي عاشها هذا الملك بعد حياة العزة والمجد التي عاشها ملكا في إشبيلية ومنها هذه القصيدة التي خرجت من أعماق شاعر ملك وفارس لكنه أسير حيث يظهر رابط الجأش قويا وهو مكبل بقيوده مفتخرا بشجاعته وفروسيته حيث لا معنى لهذا القيد ملك مسلم يسجنه ملك وأمير مسلم وهو الذي أبى أن يرتمي في أحضان الملك الإسباني يقول :

 

لمّا تماسكت الدموع       
قالوا الخضوعُ سياسةٌ
وألذُّ من طعم الخضو     
إن تَسْتلب ْ عني الدّنا    
فالقلبُ بين ضلوعه      
قد رمتُ يوم نزالهم
 وبرزت ليس سوى القميـ
 وبذلت نفسي كي يسيـ
أجلي تأخرَ لم يكن
  ما سرْتُ قطُّ إلى القتا
 شِيَمُ الأُُ لى أنا منهمُ
  

وتنَهْنَهَ القلْبُ الصديع
فليبدُ منك لهُمُ خضوع
عِ على فمي السُّمُّ النّقيع 
ملكي وتسلمني الجموع
لم تسلم القلب الضلوع
ألا تحصِّنني الدروع
ـصِ عن الحشا شيءٌ دَفوع
 ـل إذا يسيل بها النجيع
بهوايَ ذلي والخشوع
ل وكان من أملي الرجوع
 والأصلُ تتبعهُ الفروع

 

 

وتستمر حياة المعتمد في السجن أما زوجته وبناته فكن يغزلن في الأسواق للحصول على الطعام وقوت يومهن ويأتي العيد ويزرنه في السجن في ملابس بالية قديمة وقد ظهرت عليهن الفاقة والحاجة فراح يناجي نفسه وما حل ببناته وزوجته فيقول :

فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا  
ترى بناتك في الأطمار جائعة  
يطأن  في الطين ، والأقدام حافية  

 

فساءك العيد في أغمات مأسورا
يغزلن للناس لا يملكن قطميرا
كأنها لم تطأ مسكا وكافورا

 

 

وهذا البيت فيه إشارة إلى موقف كان قد حدث مع زوجته اعتماد البرمكية وكانت جارية له ثم أعجب بها بعد موقف أدبي مر به معهاومع وزيره ابن عمار كان شاعرا إذ ركب المعتمد في النهر ومعه وزيره هذا وقد جاءت الريح إلى النهر فقال ابن عباد لابن عمار أجز:

صنع الريح من الماء زردْ

فلم يستطع ابن عمار ذلك فقالت إحدى الجواري :

أيّ درعٍ لقتال لو جمدْ

فأعجب المعتمد بها وكانت هذه الجارية هي اعتماد التي أصبحت زوجته

وتمنت في أحد الأيام وقد رأت الناس يمشون في الطين أن تمشي مثلهم فأمر المعتمد أن يؤتى بالطيب والعنبر وماء الورد وغيرها  فعجنت هذه الأشياء فصارت طينا في ساحة القصر تمشي فيه فلبى لها رغبتها .

ثم يقول وهو يقارن بين حياته وهو ملك آمر ناهٍ وصار منهيا ومأمورا في سجنه وقيده ثم يؤكد بعد ذلك تفاهة هذه الحياة وأنها لا قيمة لها :

قد كان دهرك إن تأمره ممتثلا
من بات بعدك في ملك يسرٌّ به

 

فردك الدهر منهيا ومأمورا
فإنما بات بالأحلام مغرورا

 

 

 

وتستوقفنا لوحة شعرية أسرية حزينة  وهذه المرة مع ابنه الرضيع أبي هاشم وزوجته وبناته أيضا حيث يدخلون عليه وهو في سجنه وقيده ،  وكان ابنه هذا أحب أبنائه إليه,وحين يراهم ويرى طفله الصغير يخاطب القيد الذي أكل من لحمه وشرب من دمه فيقول له كيف ترضى أيها القيد أن تأكل لحمي وتشرب من دمي!؟  توقف عن هذا على الأقل أمام هذا الطفل الصغير الذي لا يدري لماذا أنا هنا ؟ ولماذا هذه القيود؟  ولا يفتح فمه إلا حين يلوذ هاربا من هذا المنظر نحو ثدي أمه ليرضع وينسى كل ما رأى وشاهد ،  ثم ارحم أخيات له يرافقنه ويرين هذا المنظر وقد عشن حياة البؤس والذل . يقول :

قيدي أما تعلمني مسلما
دمي شراب لك واللحم قد
ارحم طُفَيلا طائشا لبُّه
وارحم أخيات له مثله
والغَرُّ لا يفهم شيئا فما

 

أًبيت أن تشفق أو ترحما
أكلته لا تهشم الأعظما
لم يخشَ أن يأتيك مسترحما
جرَّعتهنَّ السمَّ والعلقما
يفتح إلا للرضاع فما

 

 

 

  وهكذا تتواصل  اللوحات الشعرية التي يكتبها المعتمد في سجنه لتعبر عن تجربة ذاتية حقيقية قائمة على المقارنات والمفارقات العجيبة ،  ملك في مملكته يصول ويجول ثم يدفع ثمنا غاليا على يد من كان قد استدعاه لنصرته والجهاد في سبيل الله  لدحر الأعداء عن الأندلس ، حيث تنتهي مسيرة هذا الملك الشاعر في الأسر مكبلا مقيدا في سجن أغمات بالمغرب سنة 488هـ ،  وعمره لم يتجاوز السادسة والخمسين ونودي في جنازته ـ كما تذكر الروايات ـ بقولهم : الصلاة على الغريب . فيا لها من نهاية محزنة أن تكون ملكا ويصلى عليك الناس  غريبا في غير مملكتك وغير موطنك !

 

د. خالد الخلفات

جامعة الطفيلة التقنية

كلية الآداب / قسم اللغة العربية

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عداد الزوار

Visitor Counter

احصل على موقع الكتروني مميز تواصل معنا على 0777055700