مقالات المكتوبة بقلم الدكتور خالد الخلفات

 

معركة الطفيلة ضد الأتراك

الدكتور خالد الخلفات 

 

في عام 1908م عين الشريف الحسين بن علي شريفا وأميرا لمكة المكرمة ، وقد كان آنذاك منفيا في العاصمة العثمانية استانبول، وفي العاشر من حزيران أطلق الحسين بن علي الرصاصة الأولى معلنا الثورة العربية الكبرى على الأتراك ، الذين عانى العرب منهم ما عانوا من إهمال وظلم وجهل وتخلف ، وكان أن تلقى الحسين بن علي الوعود من البريطانيين بقيام مملكة عربية ويكون الحسين  ملكا للعرب .

وبدأت جيوش الثورة العربية بالانطلاق لتحقيق أهدافها ، وقسّم الجيش هذه إلى ثلاثة جيوش بقيادة أبناء الحسين وهم فيصل وعبدالله وعلي، وكانت مهمة جيش الأمير فيصل التوجه  شمالا إلى العقبة ،ومنها إلى دمشق ، وكان الأمير زيد بن الحسين معاونا له وكان  ساعده الأيمن ، دخل هذا الجيش العقبة في 6 تموز عام 1917م .وفي كانون الثاني عام 1918م وحين كان الأمير فيصل مقيما في القويرة  أبلغ  أهالي الطفيلة وشيوخها الأمير ترحيبهم بقوات الثورة للدخول إلى الطفيلة والوقوف إلى جانب الثورة ضد الأتراك ، وقد أرسل الأمير فيصل أخاه زيدا ليقود قوة تتجه ألى الطفيلة ، وفي الشهر نفسه أي في 16كانون الثاني عام 1918م ، دخل الأمير زيد بجيشه الطفيلة من جهتها الجنوبية ، وخيم بجيشه ومن معه من القادة في الحي الجنوبي في الطفيلة الذي أصبح يسمى من ذلك الوقت بحي وادي زيد ، وفي بقعة مرتفعة منه كان مخيم الأمير وجيشه الذي سمي المكان فيما بعد باسم الأميرية نسبة إلى الأمير زيد .

وعن ترحيب أبناء الطفيلة بقادة الثورة ورغبتهم بالمشاركة فيها يشير المؤرخ سليمان الموسى إلى أن أهللا الطفيلة ورغبتهم بالمشاركة في الثورة والتخلص من ألأتراك هو ما دفعهم لدعوة الأمير فيصل حين كان في القويرة للتوجه إلى الطفيلة تحريرها من الأتراك والحامية التركية فيها ، يقول الموسى :

"وهكذا نرى أن الثورة امتدت إلى الطفيلة عن طريق لأهلها ، ورغبتهم في ذلك ، ولو صمم أهل الطفيلة على المقاومة ، وتعاونوا مع الحامية التركية لغدت مهمة قادة الثورة عسيرة للغاية "   (لورنس والعرب ص148).

     بعد تسعة أيام من دخول الأمير زيد بن الحسين الطفيلة وتحديدا في الخامس والعشرين من كانون الثاني عام 1918م وقعت معركة الطفيلة المشهورة مع الأتراك التي تسمى معركة حد الدقيق نسبة إلى المكان الذي وقعت فيه والواقع إلى الشمال من الطفيلة .وهي المعركة التي أرسل ملك بريطانيا جورج الخامس برقية تهنئة إلى الملك الحسين بن علي في مكة في الثلاثين من كانون الثاني عام 1918م يقول فيها :

    "إنني أسرع بإعرابي عن سروري العظيم لمظفريات ولدكم المقدام على العدو في أرض الصوان ".  وأرض الصوان هنا المكان الذي وقعت فيه المعركة حيث حجارة المكان صوانية .(انظر : سليمان القوابعه : الثورة العربية الكبرى معارك الطفيلة ص65)

      كان الجيش التركي قد أعد إعدادا جيدا عددا وعدة وعتادا فقد زاد عدد أفراد من ضباط وحنود عن ألف مقاتل محملين بالأسلحة والمدافع ، وكانوا على وعي تام بأهمية منطقة الطفيلة الاستراتيجية والعسكرية وخاصة لقربها من الخط الحديدي الذي يزود المناطق الجنوبية بالإمدادات العسكرية وهم يتابعون تحركات جيوش الثورة العربية من العقبة باتجاه الشمال ومن يلتف حول الثورة من شيوخ العشائر والقبائل من البدو والمدن والقرى الأردنية .وكان هذا الجيش بقيادة حامد فخري أحد القادة الأبطال في الحرب العالمية الأولى وقد توجه إلى المنطقة ليقود فرقة من فرق الجيش التركي لحماية سكة الحديد من عمان إلى الفريفرة لأهمية هذا الخط كما ذكرنا عسكريا لهم  ،وكان هذا القائد بلقب بفاتح بخارست في رومانيا ،وقبل أن يصل إلى الطفيلة أرسل تهديداته إلى أهلها لأنهم ناصروا الثورة ضدهم  ، وأجبروا الحامية التركية في الطفيلة بقيادة زكي الحلبي على الاستسلام ،وأنه سيقلب عاليها سافلها.

وعندما وصل تهديداته إلى أبناء الطفيلة اجتمعوا شيوخا ورجالا وشبابا ، وتوجهوا إلى مخيم الأمير زيد في الطفيلة والتفوا حوله ،وطلبوا منه قيادة الجيش والمتطوعين لمواجهة جيش الأتراك القادم من الشمال ، اعتذر الأمير عن ذلك وتردد لأن جيشه النظامي والقوة التي يقودها لا تتجاوز الستين رجلا  ، ولا يملك من الأسلحة إلا القليل وهو يعلم العدد والعدة والسلاح الذي قدم مع حامد فخري ، وتحت رغبة هؤلاء الرجال الذين تكلموا باسم الطفيلة وأنهم متطوعون مع الجيش النظامي يحاربون بإمرته وتحت لوائه ، وأنهم سيكونون مع الثورة ضد الأتراك حيث وقف أحد الرجال ليقول أمام الأمير :

" لأن حالنا جميعا أيها الشريف ومعنا أطفالنا والصبيان ـ كما تراهم ـ نقسم بالله العظيم أن ننتظر حين تنتظر، وأن نسير حين  تسير ، وأن لا ندين للترك بالطاعة ، وأن نحسن معاملة من يتكلم العربية ، وأن نجعل الاستقلال فوق حياتنا وأهلنا وأموالنا "

( ينظر كتاب القوابعه : الثورة العربية الكبرى ص69ـ70)

ثم يقف رجل آخر ويقول : يا صاحب الشرافة ونزيدكم خبرا أن رجالنا المقيمين في وادي الحسا من البارحة وحتى صباح اليوم يقاتلون الترك فتوكل على الله .وأمام هذا التأييد والدعم الشعبي للأمير يلبي الدعوة ويرسل رسالة إلى الأمير فيصل يقول فيها : (إن أهل الديرة اليوم مربوطين بنا من كل وجه .. والتحفوا بنا برضائهم ، وسلموا أطفالهم إلينا ، وباعوا أرواحهم معنا )مذكرات الأمير زيد ، ص81 نقلا عن القوابعه ص65.

وانطلق الأمير زيد ومعه جيشه النظامي والمتطوعون من الطفيلة  وقراها ألى منطقة العيص المشرفة على الطفيلة من الجهة الشمالية ، وكانت هناك فرق متطوعة من قرية عيمة وما حولحها وفرق أخرى خرجت من وادي الحسا واللعبان وعفرا والقرى الأخرى القريبة والعربان في هذه المناطق تهاجم مخيم الجيش التركي فأوقعت خسائر كبيرة في جيش الأتراك جعلت القائد التركي في حيرة وقلبت كل موازينه وخططه العسكرية التي وضعها لاسترداد الطفيلة والقضاء على أهلها .وتمكن المقاتلون من قتل حامد فخري قائد الجيش التركي الذي كان يقول : (هؤلاء العرب جعلوا قوانين الحرب عاليها سافلها ).

 

وعن هذه المعركة يقول عبدالمهدي بن محمود المرافي في مذكراته :" إن معركة الأمس التي حدثت يوم 12 ربيع الآخر 1366هـ في 25 كانون الثاني من العام 1918م ، التقى فيها رجال ثوّار وصبيان طوارئ وشباب في مطلع الرجولة ، يمارسون القتال  بشغف ، ونساء يشاركن في الحدث للضرورة ، وكأن سكان البلدة وقراها وجيرانهم البدو يتداخلون ويلتقون معا في صلاة غروب من شهر مبارك وفي مشهد صارم ومثير " نقلا عن القوابعه ص82.

 

 

وقد تحدث العماد مصطفى طلاس عن معركة الطفيلة وأهميتها بالنسبة للجيوش العربية فيقول :

"رفع الاستيلاء على الطفيلة من معنويات الجيش العربي وحقق بعض آماله .... إن معركة الطفيلة كانت من أقسى المعارك وأعنفها ،وقد أحدثت صدمة عنيفة للمستعمرين الأتراك ، وعندما حاولوا استرجاعها منيت قواتهم بهزيمة ساحقة "  انظر كتابه : الثورة العربية الكبرى ص392ـ293

 

التعليقات  

 
0 # طفيلىوبفتخرررررررررر 2012-10-20 18:06
صح السانك صح بدنك ابو اليزيد
رد | رد مع اقتباس | اقتباس
 
 
0 # طفيلي وافتخر 2012-08-15 11:05
مقاله رائعه وكاتبها اروع
رد | رد مع اقتباس | اقتباس
 
 
0 # هيثم الحنيفات 2012-05-15 13:03
تحياتي أبو يزيد . عساك بخير وتسلم على هالموقع الجميل
رد | رد مع اقتباس | اقتباس
 

أضف تعليق

سيتم نشر التعليقات بعد مراجعتها


عداد الزوار

Visitor Counter

احصل على موقع الكتروني مميز تواصل معنا على 0777055700