مقالات المكتوبة بقلم الدكتور خالد الخلفات

فنجان قهوة


   للتوِّ وضع سماعة الهاتف ، طار فرحا بالخبر الذي سمعه ، كان من زوجته التي وضعت مولودها الأول ، كان شابا نذر نفسه ليكون جنديا يحمى الوطن وهو يعرف أنه ربما يكون شهيدا في يوم من الأيام في أرض المعركة والدفاع عن الوطن وليس في أرض أخرى وميدان آخر ،  مضى على زواجه سنتان ، دخل مكتب قائده مستأذنا بإجازة قصيرة ، ليرى طفله الذي استقبلته الحياة بفرح غامر لم يدم  إلا ساعات ، شغل سيارته وهو يرقص فرحا ، ليضع نفسه وسيارته في أول محطة من محطات طريق الموت الطريق الصحراوي ، كل أحاديث الفرح والسعادة والذكريات الجميلة مع زوجته والأيام السعيدة القادمة التي يعتقد أنه سيعيشها حدّث نفسه بها حتى الاسم الذي سيختارها لمولوده الجديد ،وفي إحدى محطات الموت كانت نهايته لسائق متهور يقود سيارته بسرعة جنونية وانتهى كل شيء ، الحلم والذكريات الجميلة والطفل والزوجة ، انتهى كل هذا بفنجان قهوة وجاهة كريمة

   تلك هي القصة الحزينة التي تذكرتها لأحدهم ـ من قصص كثيرة ـ  الذي ذهب ضحية حادث سير وأنا استمع وأشاهد طالبات في عمر الورد من مدرسة فاطمة بنت اليمان الأساسية في احتفال محافظة الطفيلة بمناسبة يوم المرور العالمي وأسبوع المرور العربي من خلال تقديمهن لمشهد تمثيليّ وحوارية معبرة ، خاطبونا نحن الكبار بأسلوب راقٍ ومؤدب ، خجلنا من أنفسنا ومن بعض عاداتنا وممارساتنا في فن قيادة السيارة  وفنّ التسعيرة التي وضعناها لشبابنا ولأطفالنا ، قدموا لنا احتجاجهم على مشاركتنا في حرب ومعركة نخوضها كل يوم في طرقاتنا وشوارعنا ، نحن قادتها وجنودها ،وتحدثوا عن سائقين لا يتقون الله في أطفالنا وشيوخنا ونسائنا وأموالنا التي تذهب هدرا كما هي أرواحنا الرخيصة .

والنهاية جاهة كريمة وصك جريمة وفنجان قهوة وشكر في الجريدة وحلول للوئام محل الخصام ،وينتهي ملف القضية لسائق متهور طائش قتل فينا الحبّ والذكريات الجميلة والعشق والطفولة وكلّ شيء جميل ، ويترك هذا السابق في الميدان مرة أخرى ليمارس هواياته مستقبلا ولماذا لا يمارسها طالما أن قيمة الإنسان عنده فنجان قهوة ، بالمناسبة أنا أتحدث عن السائق المتهور الذي لا يتقي الله فينا وفي أطفالنا ، الذي يجب أن يردع .أما الجاهات فهم شيوخ ورجال إصلاح وهم مقدَّرون ومحترَمون ولهم كلّ الود والاحترام ، فكم من قضية على امتداد هذا الوطن الكبير الذي نحب كانوا قد احتووها وحلوها قبل أن يحلها القانون وساحات المحاكم ؟ ولكنني أرى أنها في بعض حوادث السير التي يكون السائق سببا فيها بسرعته الجنونية وتهوره وطيشه وربما يكون مخمورا ، أرى أن يكون القانون هو الفيصل فيها ولا يجوز التنازل ،  حتى يأخذ الحق القانوني مجراه ،.لنكون بقوانينا ونظامنا العشائري أداة للردع ومنع الجريمة التي ترتكب بحق أطفالنا وشبابنا في كل يوم.

   فلماذا نقدم في كل عام ، أرقاما خيالية نسبيا بين حالات وفاة وإصابة وعجز ناجمة عن حوادث السير ، كما تشير التقارير الإحصائية الصادرة عن مديرية الأمن العام  ؟ أنا أعلم أن دولا خاضت حروبا لم تصل خسائرها البشرية إلى ما وصلت إليه خسارتنا البشرية من هذه الحوادث فإلى متى هذا الجرح النازف ؟ أسئلة كثيرة تطرح ويتحدث بها الناس وهي أسئلة تحتاج من المعنيين إلى وضع خطة إستراتيجية قريبة المدى وبعيدة المدى في أهدافها ليست في تشريع قوانين رادعة فقط بل في صناعة ثقافة مرورية جديدة في استعمال السيارة والطريق ،أساسها احترام النفس واحترام القانون وليس الخوف من القانون ، لأن الخوف من القانون ينتهي عندما نصبح خارج دائرة الرادار الذي ينصب على الطرقات والشوارع ، نريد أن نغير ثقافة المواطن والسائق ليمتثل للأنظمة الموجودة والقوانين في الدولة حتى لا نرى سائقا على الطريق الصحراوي يعطي إشارة للسائق المقابل له على المسرب الآخر : أن احذر هناك رادار ينتظرك بعد مئات الأمتار .ربما نحتاج إلى زمن طويل ليتحقق هذا الحلم ، لا أدري لكن الذي أعلمه جيدا أننا حين نذهب خارج الوطن ونقود سيارتنا هناك نكون قمة في المثالية والانضباط فلماذا لا نكون مثاليين في وطننا ؟

د. خالد سليمان الخلفات

مقال منشور في صحيفة الرأي عام 2007

أضف تعليق

سيتم نشر التعليقات بعد مراجعتها


عداد الزوار

Visitor Counter

احصل على موقع الكتروني مميز تواصل معنا على 0777055700